Beirut weather 22 ° C
تاريخ النشر October 7, 2026
A A A
ثلاث جبهات على صفيح ساخن… هل يقترب الشرق الأوسط من انفجار جديد؟

كتب إبراهيم مصطفى

 

 

ليس كل هدوءٍ سلاماً. أحياناً يكون الهدوء هو المساحة التي تعيد فيها الأطراف ترتيب مواقعها، وتختبر حدود خصومها، وتُحضّر خياراتها للحظة التالية

في الشرق الأوسط، تبدو الصورة أقرب إلى ذلك النوع من الهدوء،

من اليمن إلى إيران، ومن البحر الأحمر إلى مضيق هرمز، وصولاً إلى لبنان، تتقاطع مؤشرات عسكرية وسياسية تجعل الحديث عن استقرار حقيقي سابقاً لأوانه. لا يعني ذلك أنّ الحرب حتمية، لكنه يعني أنّ المنطقة لم تخرج من دائرة الخطر،

في اليمن، لم تعد المسألة محصورة في الصراع الداخلي. عودة العمليات العسكرية واتساع رقعتها يضعان باب المندب مجدّداً في قلب الحسابات الإقليمية. وهذا المضيق ليس تفصيلاً جغرافياً؛ إنه أحد أهمّ ممرات التجارة والطاقة في العالم، وأيّ تهديد طويل الأمد له يمكن أن يحوّل المعركة اليمنية إلى أزمة تتجاوز حدود البلاد،

المشهد هنا واضح: كلما اقترب القتال من الممرات البحرية، ارتفعت كلفة الصراع واتسعت دائرة المتضرّرين منه،

وفي إيران، تبدو المعادلة أكثر تعقيداً. طهران لا تغلق باب التفاوض، لكنها في الوقت نفسه تستعدّ لأسوأ الاحتمالات. وواشنطن تفعل الشيء نفسه من الجهة المقابلة: تترك الباب مفتوحاً للدبلوماسية، مع إبقاء القوة العسكرية حاضرة كخيار فعلي،

هذه ليست مفارقة عابرة. إنها جوهر المرحلة،

كلّ طرف يتفاوض وهو يريد أن يكون مستعداً للحرب إذا فشلت المفاوضات،

ومع دخول مضيق هرمز إلى صلب المواجهة، ترتفع المخاطر أكثر. فتهديد الملاحة أو تعطيل حركة الطاقة لا يبقى شأناً إيرانياً ــ أميركياً؛ تأثيره يصل سريعاً إلى الأسواق العالمية والاقتصادات التي تعتمد على إمدادات الخليج

 

لهذا يمكن فهم التحركات العسكرية المتبادلة بوصفها محاولة لرفع كلفة أيّ خطوة من الطرف الآخر، وفي الوقت نفسه تحسين شروط التفاوض،

لكن الأخطر أنّ ميزان الردع في المنطقة أصبح شديد الحساسية. ضربة محسوبة قد تبقى تحت السيطرة، بينما ضربة أخرى قد تفتح سلسلة من الردود يصعب وقفها،

وهنا يدخل لبنان إلى المشهد،

الجنوب اللبناني ليس جبهة منفصلة عن الإقليم. إنه إحدى أكثر النقاط حساسية في أيّ مواجهة تمتدّ بين “إسرائيل” وإيران وحلفائهما. وما دام ملف السلاح، وترتيبات الحدود، والوجود “الإسرائيلي”، ومستقبل القوة الدولية، لم تُحسم بصورة نهائية، فإنّ هامش المناورة يبقى ضيّقاً،

المشكلة في لبنان أنّ أيّ تصعيد إقليمي لا يحتاج إلى قرار مباشر بفتح جبهة جديدة. يكفي أن تتغيّر قواعد الاشتباك في مكان آخر حتى تبدأ تداعياتها بالظهور هنا،

إذا ضربت “إسرائيل” إيران، أو اتسعت الحرب في الخليج، أو تعرّضت الملاحة لهجمات كبيرة، أو انهارت قنوات التفاوض، فسيصبح السؤال عن لبنان مسألة وقت وحسابات، لا مجرد احتمال نظري

لكن هناك وجهاً آخر للصورة…

القوة العسكرية قد تكون أداة لمنع الحرب بقدر ما يمكن أن تكون استعداداً لها. الحشود قد تهدف إلى الردع، والتصعيد قد يكون جزءاً من لعبة الضغط قبل التسوية، ورفع سقف المطالب قد يكون محاولة للحصول على تنازلات لا أكثر،

لذلك، فإنّ قراءة المشهد باعتباره «حرباً وشيكة» ستكون تبسيطاً مخلاً،

الأدقّ هو القول إنّ المنطقة دخلت مرحلة ردع متبادل شديد التوتر؛ كلّ طرف يختبر الآخر، وكلّ طرف يريد أن يثبت أنّ لديه القدرة على الردّ، فيما تحاول الدبلوماسية منع هذا الاختبار من الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

المعضلة أنّ الردع لا ينجح دائماً،

ففي منطقة تعجّ بالجبهات المفتوحة، والأسلحة بعيدة المدى، والفاعلين غير الحكوميين، والممرات البحرية الحساسة، يمكن لحادث واحد أن يفرض على الجميع واقعاً لم يخططوا له،

وهنا تحديداً تكمن خطورة الهدوء الحالي،

قد يكون فرصة أخيرة لتسوية سياسية، وقد يكون مجرد مرحلة لإعادة التموضع والاستعداد. وربما يكون الأمرين معاً…

لكن المؤشرات من اليمن إلى إيران فلبنان تقول شيئاً واحداً: المنطقة لم تدخل بعد مرحلة الاستقرار، بل مرحلة اختبار للأعصاب،

وفي مثل هذه المراحل، لا تبدأ العاصفة بالضرورة بصاروخ، قد تبدأ بسوء تقدير، وقد يكون أخطر ما في المشهد أن الجميع يعتقد أنه قادر على التحكم في التصعيد، إلى أن يصل التصعيد إلى نقطة لا يعود فيها أحد قادراً على التحكم به.

لهذا، فإنّ السؤال الحقيقي ليس متى ستندلع الحرب، بل مَن سينجح في إبقاء الهدوء قائماً قبل أن يتحوّل إلى العاصفة؟