Beirut weather 25 ° C
تاريخ النشر October 5, 2026
A A A
ملامح مرحلة عسكرية جديدة في الجنوب
الكاتب: جوني منيّر

كتب جوني منيّر في الجمهورية

 

بعيداً من أي تغطية إعلامية، ومن دون صدور أي بيان رسمي، اجتمع أركان إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الكبار في منتجع كمب ديفيد الرئاسي، لمناقشة الخطوات المقبلة في الحرب مع إيران، إضافة إلى النزاع بين السعودية والحوثيين، وفق ما جرى تسريبه عبر «أكسيوس». تركيبة الحضور جمعت بين الديبلوماسية والعسكر والإستخبارات، وهو ما يوحي بأنّ محور الإجتماع تركّز حول الإنتقال إلى مستوى مراجعة الخيارات التنفيذية والربط بين إيران واليمن، وأنّ غياب الإعلان المسبق يرفع من أهمية الإجتماع، ولكن من دون أن يعني ذلك اتخاذ قرار سرّي حاسم ونهائي.

 

الخبر الذي تمّ تعمّد تسريبه عبر منصة «أكسيوس» القريبة من دوائر ترامب، دفع البعض بالعودة إلى الوراء بعض الشيء، وتحديداً إلى حزيران 2025، حين عُقد اجتماع مماثل، والذي مهّد للحرب على إيران، بعد أيام قليلة، والتي بدأتها إسرائيل قبل أن تنضمّ إليها لاحقاً الولايات المتحدة الأميركية. لكن وجود المفاوض الأميركي مع طهران ستيف ويتكوف في الإجتماع جنباً إلى جنب مع المسؤولين العسكريين والأمنيين الكبار، يوحي وكأنّ البحث طاول المسارين معاً: ما بقي من فرص تفاوضية، وما يتمّ تجهيزه من بدائل عسكرية وأمنية. وترافق ذلك مع رفع مستوى التحشيد العسكري في اتجاه الشرق الأوسط، وإرسال حاملة طائرات ثالثة إلى المنطقة.

 

 

 

لكن الإعلان عن الإجتماع من خلال التسريب المتعمّد، هو رسالة في حدّ ذاته، وقد يُفسّر ذلك برغبة البيت الأبيض بإبقاء طهران في حالة ترقب من دون الإلتزام العلني بخطوة معينة. ولكن وفي أوضاع مشابهة، يتولّى الرئيس الأميركي دور ترؤس الإجتماع. أما هنا فتُركت المهمّة لنائبه جيه دي فانس، وهو ما يدفع للتساؤل عمّا إذا كان الهدف من ذلك إبقاء الأبواب مفتوحة نصف فتحة أمام التراجع لاحقاً.

 

 

 

والواضح أنّ لعبة عضّ الأصابع التي مارستها واشنطن وطهران على حدّ سواء، بالضغط عبر نقاط ضعف الخصم، وصلت إلى ذروتها. فالإنتخابات النصفية الأميركية باتت على بعد أقل من شهر، ما يعني أنّ حملة التأثير الإقتصادي على الناخبين حققت ما يمكن تحقيقه. لا بل إنّ الأوساط المراقبة تعتقد أنّه ما أن تقفل صناديق الإقتراع سيشعر ترامب بأنّه تحرّر من قيود الحملات الإنتخابية، ما يجعله قادراً على الشروع مجدداً في برامجه العسكرية تجاه إيران. وفي المقابل نجحت واشنطن في تصفير صادرات النفط الإيراني وبإحكام الحصار البحري مع اقتراب فصل الشتاء القارس، حيث تتفاقم أزمة الطاقة. فخلال الشتاء الماضي، وعلى رغم من أنّ الحصار البحري لم يكن قائماً كما هو اليوم، تمّ قطع إمدادات الغاز عن كثير من المستخدمين التجاريين، من أجل سدّ النقص وتأمينه للسكان. كما تمّ تطبيق برنامج تقنين كهربائي وصل إلى حدود الساعتين يومياً في بعض المناطق.

 

 

 

ولكن، وفي الوقت الذي تشير بعض استطلاعات الرأي إلى هزيمة إنتخابية كبيرة للحزب الجمهوري الحاكم، فإنّ الرئيس الأميركي الذي يجول في الولايات المتأرجحة متوسلاً الدعم لحزبه، بدا أكثر تلميحاً لتصعيد محتمل بعد الإنتخابات. وعلى رغم من ذلك فإنّ تلميحاته لا توحي بأنّ الباب أُغلق بالكامل، ولو أنّ ذلك يشير إلى أنّ المساحة الزمنية أصبحت ضيّقة جداً أمام اتخاذ القرار الحاسم، وأنّ المنعطف الزمني الحاسم سيكون مع إغلاق صناديق الإقتراع.

 

 

 

لكن ثمة حركة غير مفهومة لترامب، وتتعلق بانسحاب القوات الأميركية من العراق، أو ما يُعرف أيضاً بالحديقة الخلفية لإيران. صحيح أنّ الإنسحاب جاء تنفيذاً لقرار كان إتُخِذ في أواخر ولاية سلفه جو بايدن، وهو يأتي في سياق الإنسحاب الأميركي من المنطقة، بدءاً من أفغانستان صيف 2021 وثم سوريا في نيسان 2026، بهدف تحويل الثقل العسكري الإستراتيجي إلى بحر الصين، إلّا أنّ ترامب كان قادراً على تأجيل تنفيذ قرار الإنسحاب من العراق إلى موعد لاحق، وهو ما لم يحصل. وهذا ما طرح علامات استفهام عدة حول الخلفيات الحقيقية لهذا القرار الآن وما المقصود به. فالإنسحاب الأميركي بعد أكثر من ثلاثة عقود، شهدت خلالها رفضاً أميركيا للإنسحاب بذريعة المجموعات الإرهابية ومخاطر الفوضى التي ستعمّ، سيخلق واقعاً جديداً بسبب الفراغ الإستراتيجي الذي سيحلّ. الأوساط الديبلوماسية تكتفي بالقول إنّ هذا الإجراء سيؤدي إلى إفراغ الخطاب الإيراني جاذبيته، والقائم على مواجهة «أطماع الشيطان الأكبر». لكن هل إنّ القيام بخطوة بهذا الحجم يمكن أن تتناسب مع هذه الإجابة؟ البعض يراها مقدّمة لتفاهم مع إيران، أما البعض الآخر فيراها استباقاً لأعمال حربية قادمة، وبهدف عدم إبقاء القواعد الأميركية رهينة الإستهداف الإيراني. لكن لا يمكن تجاهل وجود أطراف إقليمية عدة، تُعتبر قوية، وستسعى لسد الفراغ الناجم عن الإنسحاب الأميركي. والسؤال البديهي هنا: هل سيعني ذلك أنّ اصطداماً سيحصل بين هذه القوى بسبب تضارب مصالحها، وأنّ ظروف عودة «داعش» أصبحت مهيأة أكثر؟

 

 

 

وهذه الصورة الملبّدة إقليمياً لا بدّ أن تكون لها إنعكاساتها المباشرة على الساحة اللبنانية، وهو ما يستوجب التحضّر لأيام صعبة قادمة. صحيح أنّ الواقع اللبناني ارتبط وتأثر دائماً بالمعادلات الإقليمية المتأرجحة والمتقلبة، لكنه اليوم يبدو أكثر ارتباطاً وتأثراً من أي يوم مضى. فإيران تعاند أي مسعى لفك رباطها مع لبنان، وتتمسّك بجبهتها المفتوحة مع إسرائيل جنوباً، وبتأثيرها المباشر على الساحل الشرقي للمتوسط عبر الشاطئ اللبناني. وفي المقابل تبدو إسرائيل بدورها متمسكة بإنهاء خط التماس القائم بينها وبين إيران عبر جنوب لبنان، في ظل دعم أميركي كامل، وتتحضّر لشن معركة تهدف للسيطرة على إقليم التفاح وصولاً إلى جبل الريحان ومنه إلى البقاع الغربي، بهدف وصل المنطقة الأمنية من جنوب سوريا إلى جنوب لبنان.

 

وباشرت إسرائيل معركتها بالتمهيد نارياً في اتجاه كفرتبنيت كموقع متقدّم. وفي المقابل يعزز «حزب الله» مواقعه الدفاعية.

 

 

 

وسط هذا الجو التصعيدي، برزت الدعوة إلى عقد جولة مفاوضات عسكرية في تامبا في ولاية فلوريدا الأميركية بين 20 و22 من الشهر الجاري. ولا تحظى الدعوات اللبنانية لتوسيع الجولة عبر إشراك الوفد الديبلوماسي بالموافقة الإسرائيلية المطلوبة. قد يكون الطلب يهدف للردّ على ما أُشيع من أنّ «الإتفاق الإطار طار»، وأنّ الجولات التفاوضية لا تزال قائمة. لكن الظروف ما زالت غير مهيأة لذلك على الأقل حتى الساعة، على رغم من التدخّل لدى الجانب الأميركي.

 

 

وبدأ التمهيد بأنّ الهدف من الجولة التفاوضية العسكرية هو للبحث في أمور عسكرية وتقنية، وتتعلق بالمناطق التجريبية وآلية التحقق وتفتيش المنازل. وبالنسبة إلى تحديد منطقة تجريبية ثانية، فإنّ الظروف لا تبدو ملائمة. فإسرائيل باتت ترفض تسليم تلة علي الطاهر والمحيط، وهي التي تركّز واقعها العسكري للتقدّم شرقاً في اتجاه الريحان. وعندها تصبح تلة علي الطاهر موقعاً عسكرياً داعماً لمشروعها. لذلك تطرح الآن إمكانية توسيع المنطقة التجريبية الأولى عبر ضمّ مناطق جديدة لها. لكن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يبدو حذراً في خطوته هذه، وسط الحملات الإنتخابية الحامية داخل إسرائيل.

 

 

 

أما بالنسبة إلى آلية التحقق، والتي يرفض لبنان حصرها بيد إسرائيل، فإنّ الجدل لا يزال يدور حول الجهات الدولية التي ستتولّى المشاركة فيها. فإيطاليا بدت حذرة جداً، خصوصاً إثر النتائج التي عاد بها مسؤول جهاز مخابراتها من لبنان. فهو لم يستطع الحصول على الضمانات المطلوبة لجهة ضمان سلامة عناصر قواته، ولا حول تأمين متطلبات المهمّات المطلوبة منهم. وبات سائداً على نطاق واسع، أنّ إسرائيل لا تريد ضمناً وجود أي قوات دولية، ولو بصفة مراقبين، في جنوب لبنان. فهي تريد إخلاء الساحة لها وحدها. وفي الوقت نفسه لا يريد «حزب الله» أي حضور دولي خارج مظلة الأمم المتحدة وبعيداً من تكليف واضح في إطار مقتضيات القرار 1701، وهذا غير متوافر الآن.

 

 

 

ووفق ما تقدّم، لا تبدو التباشير حول الجولة التفاوضية العسكرية واعدة، لا بل على العكس فالتحضيرات الميدانية تؤشر للحماوة والتصعيد. وخلال الأسبوع الماضي، لوحظ أنّ المسيّرات الإسرائيلية كثفت من تحليقها عند السلسلة الشرقية وتحديداً فوق بلدتي جنتا والنبي شيت. وقبل ذلك كانت إحدى دوريات الجيش اللبناني قد اكتشفت شحنة أسلحة وذخائر وعبوات ناسفة كان يُعمل على تهريبها إلى الداخل اللبناني. واكتشفت الدورية هذه الشحنة عندما لاحظت حركة مريبة عند الحدود مع سوريا، حيث وضعت عناصر تسلّلت من الداخل السوري هذه الشحنة عند منطقة حدودية مدروسة، قبل أن تلوذ بالفرار عند رؤيتها للدورية. وبالطبع لم يأتِ أحد من الجانب اللبناني بسبب انكشاف العملية. وعبر خط التواصل والتنسيق القائم بين الجيشين اللبناني والسوري، توالت الإستفسارات السورية حول كل المعلومات، وهو ما يثبت أنّ العملية لم تكن تحظى بأي «غض نظر» رسمي من سلطات دمشق.

 

 

 

لكن الأوساط الديبلوماسية، والتي تابعت ما حصل باهتمام بالغ، تساءلت عن معنى وجود عبوات ناسفة من ضمن الشحنة المهرّبة. وبالتالي ما إذا كان الهدف استخدام هذه العبوات في الداخل، أم أنّ المطلوب استخدامها لأغراض عسكرية في الجنوب. ذلك أنّه يمكن استخدامها لتفخيخ منازل بعد إخلائها لتنفجر بقوات يمكن أن تدخل إليها. كما أنّه يمكن استخدامها أيضاً لتزنير مراكز قتالية بهدف حمايتها من عمليات تسلل قد تحصل.

 

 

 

من الواضح أنّ الإتجاه يميل بقوة إلى حماوة مقبلة، وأنّ التعقيدات الإقليمية ترفع من مستوى المخاطر القادمة، لدرجة أنّ السؤال بات يدور حول موعد ساعة الصفر أكثر منه حول احتمالات المواجهة… إلّا إذا كانت الكواليس تخبئ تفاهمات تتمّ حياكتها خلف هذا الدخان الكثيف المتصاعد. من يدري، فنحن في الشرق الأوسط، وكل شيء ممكن توقعه.