Beirut weather 20 ° C
تاريخ النشر October 2, 2026
A A A
لماذا التهديد الأميركي المؤجل بالحرب؟
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في البناء 

إلى أيّ حد يصح الاستنتاج بأن موازين المواجهة الأميركية الإيرانية تتغيّر لصالح واشنطن، استناداً إلى ارتفاع سقف خطابها التفاوضي، بالتوازي مع تجدّد التهديد بضربات ساحقة لاحقة؟ وهل تكفي تصريحات الرئيس دونالد ترامب عن رفض العرض الإيرانيّ، واستسلام إيران المرتقب، وتدفّق النفط عبر هرمز، لإثبات هذا التحوّل؟ أم أن الإجابة تبدأ من سؤال آخر: كيف تستمر المفاوضات إذا كان الموقف الأميركي على الطاولة مطابقاً لهذا الخطاب، وإذا كانت واشنطن قد حسمت أن بديل قبول شروطها هو الحرب؟

 

تكشف الوقائع المتاحة مسافة بين ما يقوله ترامب وما يجري عبر الوسطاء. فبعد إعلان رفض المقترح الإيراني، تلقت طهران رداً أميركياً عبر الوساطة القطريّة، وعرضه وزير الخارجية عباس عراقجي على القيادة الإيرانية. ووفق تقرير رويترز في 30 أيلول، تركز الخلاف على ترتيب الخطوات أكثر من مكوّنات الخطة. نحن، إذن، أمام استمرار تبادل المقترحات، لا إغلاق لباب التفاوض. أما مضمون التعديلات فيدور حول ترتيب الخطوات وليس على مضمونها وفقاً لرويترز.

 

هذا الفارق يطرح احتمال وجود مسارين أميركيين متوازيين: مسار تفاوضي يبحث في شروط قابلة للتبادل، ومسار إعلامي يقدّم واشنطن بوصفها صاحبة اليد العليا، ويصوّر إيران واقفة بين الاستسلام والانهيار. وفي هذه القراءة، لا يتوجّه الخطاب الثاني إلى المفاوض الإيراني، بل إلى الرأي العام الأميركي والحلفاء، بهدف تحديد الرواية التي سيُقدَّم بها أيّ اتفاق لاحق. على الطاولة يمكن تبادل التنازلات؛ وأمام الجمهور يريد ترامب القول إن التهديد هو الذي أجبر إيران على الاتفاق.

 

تكتسب الإشارة إلى احتمال استئناف القصف بعد انتخابات تشرين الثاني أهميتها من هذه الزاوية. ففي مقابلته مع مجلة «تايم»، أبقى ترامب هذا الاحتمال مفتوحاً، ولم يعلن موعداً تنفيذياً ملزماً. بذلك يستطيع الجمع بين صورة الرئيس المستعد للحرب، واستمرار التفاوض خلال الفترة السابقة للانتخابات. التهديد المؤجل يمنحه مساحة ليقول إنه لم يتراجع، بينما يؤخر اختبار قدرته الفعلية على تنفيذ ما يلوّح به، وفي تاريخ ترامب سجل حافل بإطلاق تهديدات لم تُنفَّذ وحروب جرى التلويح بها ثم التراجع عن شنّها في اللحظة الأخيرة.

 

لو كانت وظيفة التهديد حمل إيران على تقديم تنازلات عاجلة، لكان تأجيله إلى ما بعد الانتخابات يحتاج إلى تفسير. أما إذا كانت له وظيفة تتصل بحماية صورة الرئيس، فإن التأجيل يصبح مفهوماً؛ يستطيع أن يصل إلى اتفاق قبل الانتخابات ويصفه بأنه ثمرة الخوف من الضربة المقبلة، أو أن يستمر التفاوض بعدها ويقول إنه يمنح إيران فرصة أخيرة. وفي الحالتين يحاول الاحتفاظ بحق إعلان النصر، بصرف النظر عن طبيعة المقايضة التي أنتجت التسوية.

 

وينطبق ذلك على الجمع بين إعلان تدفق النفط والحديث عن استسلام إيران. فقد قال ترامب إن كميات النفط الخارجة من هرمز خلال الأيام السابقة كانت قياسيّة، وربط خطابه بتوقع أن تتراجع إيران. لكن التصريح عن التدفق يبقى حديثاً طالما أن سعر برميل النفط وتراجع المخزون الاحتياطي الأميركي يتحركان على إيقاع قدرة طهران على التأثير في الملاحة، كما أن توقع استسلام طهران إعلامياً منذ بداية الحرب قبل سبعة شهور يختلف عن نتائج الصمود الذي قالته الحرب نفسها لا مجرد التلويح بها. الوظيفة السياسيّة لهذا الجمع هي تقديم صورة مفادها أن أوراق الضغط الإيرانيّة تتبدد، وأن واشنطن تفاوض من موقع المنتصر.

 

بعد سبعة أشهر من الحرب، يصبح معيار القوة ما تستطيع تحقيقه وحمايته وإدامته. فالخصم اختبر التدمير بالفعل، ولم يعد يسمع التهديد كما كان يسمعه قبل الحرب. وإذا كانت موجة إضافيّة من الضربات تستدعي رداً يحمّل الحلفاء كلفة لا يتحمّلونها، ويزيد الضغط على الدفاعات والقوات البحرية، فإن امتلاك القدرة الهجوميّة لا يحسم قرار استخدامها. إثبات حجم هذه القيود يفسر التراجع المستمرّ عن تنفيذ التهديدات خلال الحرب ومحطاتها، وبالقدر الذي يتأكد، يفسّر لماذا قد يرتفع الصوت بينما يتأجل الفعل.

 

لذلك لا يجوز اتخاذ ارتفاع السقف الإعلاميّ دليلاً تلقائياً على تغير الموازين لصالح أميركا. الدليل يُطلب من مضمون التفاوض: هل قبلت إيران بما لم يكن مقبولاً عندها من قبل؟ بينما استمرار تبادل الردود يقول العكس، بالرغم من إعلان الرفض والتهديد، ليرجّح قراءة أخرى مضمونها أن ترامب يخوض تفاوضاً على شروط الاتفاق، وتفاوضاً مع جمهوره على معنى الاتفاق.

 

التهديد الأميركيّ المؤجل وسيلة لحفظ صورة النصر قبل الوصول إلى التسوية. يريد ترامب أن يقبل الجمهور روايته منذ الآن؛ عندما تتفق واشنطن وطهران، يقول إن إيران قد خافت، وإن أميركا قد فرضت إرادتها. لكن الحكم على النتيجة سيبقى في نص الاتفاق والتزاماته، لا في ارتفاع الصوت الذي يسبق توقيعه.