Beirut weather 21 ° C
تاريخ النشر October 1, 2026
A A A
الضفة والقدس عشية الانفجار الكبير
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في البناء 

– لم تعد الوقائع المتلاحقة في الضفة الغربية والقدس تسمح بالتعامل مع اقتحامات المقدسات وهجمات المستوطنين باعتبارها أحداثاً متفرقة. ثمة اتجاه تصاعدي يمكن قياسه بالأرقام، ومشروع سياسي يمكن تتبعه في القرارات الحكومية وتصريحات أصحابها، واستحقاق انتخابي يضغط لتسريع التنفيذ. وعندما تجتمع هذه العناصر، يصبح الحديث عن اقتراب انفجار كبير قراءة في أسباب تتراكم أمام العيون، وإن بقي تحديد لحظة الانفجار ومكان شرارته الأولى خارج القدرة على الجزم.

 

– تقول بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إن متوسط اعتداءات المستوطنين التي أوقعت إصابات أو أضراراً بالممتلكات ارتفع من اعتداء ونصف يومياً عام 2021، إلى خمسة عام 2025، ثم إلى 6.7 خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026. وخلال هذه الأشهر سُجّل أكثر من 1600 اعتداء، طالت 275 تجمعاً فلسطينياً، مقابل 279 تجمّعاً خلال السنة السابقة بكاملها. هذه أرقام تكشف ازدياد وتيرة العنف واتساع انتشاره معاً، بما يجعل مساحة متنامية من الحياة الفلسطينية تحت ضغط يومي بمعدل استهداف 35 تجمعاً سكانياً كل شهر بين بلدة ومخيم وقرية ومدينة، مقابل 25 تجمعاً شهرياً السنة الماضية.

 

– وفي أيلول، وثّقت الأمم المتحدة 32 اعتداءً خلال أسبوعه الأول المشمول بالتقرير، مقابل 51 خلال الفترة من الخامس عشر إلى الحادي والعشرين منه. وفي الفترة الثانية تسببت عمليات الهدم بتهجير 147 فلسطينياً، أكثر من ثلاثة أضعاف المتوسط الأسبوعي للسنة، وشملت تجمعات قرب القدس وأسَراً في سلوان وبيت حنينا. وهكذا يتّخذ التصعيد شكل تدمير لشروط البقاء، عبر استهداف المنازل والمياه والأشجار وسبل الوصول إلى الأرض والعمل.

 

– وتكشف حادثة جالود ليلة الثامن والعشرين من أيلول معنى إضافياً لهذا المسار. فقد نقلت «رويترز» أن أكثر من مئة مستوطن هاجموا منزلَي عائلة الطوباسي بعد دقائق من وصول أفرادها برفقة الجيش، وأحرقوهما، وانتهت محاولة العودة بإخلاء العائلة مجدداً. ولا يغير من ذلك تبرؤ بنيامين نتنياهو من الاعتداء، وإعلان الجيش اعتقال مستوطنَين اثنين، لأن النتيجة الميدانيّة كانت منع أصحاب المنزلين من استعادتهما. وهكذا يصبح اقتلاع السكان أكثر رسوخاً كسياسة منهجية للحكومة، حين تستطيع قوة استيطانية تعطيل عودتهم حتى بوجود الجنود.

 

– وراء هذه الوقائع خطاب يعلن الوجهة. ففي الرابع عشر من أيار، دعا سموتريتش إلى محو الفوارق بين مناطق «أ» و«ب» و«ج»، وقال إنّه وضع خطة تفصيليّة أمام الحكومة وطالب نتنياهو بتبنّيها، وفق «جيروزاليم بوست». وفي أيلول، نقلت «الأناضول» عنه وصف اتفاق أوسلو بأنّه باطل، وادعاء ملكية “إسرائيل” لمنطقتَي «أ» و«ب». ورغم خلافه المعلن مع نتنياهو على بعض الإجراءات، فإن الاتجاه الذي يدفع نحوه واضح وهو إسقاط القيود التي أبقت للفلسطينيّين إدارةً ومساحةً سياسية داخل الضفة.

 

– وفي السابع والعشرين من أيلول، بلغ التصريح مستوى أكثر خطورة. ففي مقابلة مع «واينت» نفسها، دعا سموتريتش إلى الحرب في الضفة، وإلى فعل ما فُعل في غزة وتفكيك السلطة الفلسطينية. واستشهد بإفراغ ثلاثة مخيمات من سكانها نموذجاً لما يريد توسيعه. وبذلك يضع أحد أبرز وزراء الحكومة الإخلاء والحرب في خدمة مشروع سياسي يتجاوز مطاردة مجموعات مسلحة إلى إعادة تشكيل الأرض والسكان والسلطة.

 

– وتمنح القرارات الحكومية هذا الاتجاه أدوات التنفيذ. ففي تموز، أُعلن تخصيص 1.3 مليار شيكل لإقامة عشرات المستوطنات، ضمن قرار صاغه مكتب رئيس الحكومة، بما يشمل مساكن جاهزة وطرقاً وبنية تحتية. وفي أيلول، اشتعل الخلاف حول تأجيل مناقصة في منطقة «E1» إلى ما بعد الانتخابات، خشية استخدامها في الدعاية، فطالب سموتريتش بإلغاء التأجيل. هنا يظهر الاستيطان بوصفه سياسة مموّلة، ويظهر توقيت التنفيذ بوصفه جزءاً من المعركة الانتخابية، وتبدو الاعتراضات الدوليّة الخجولة أعجز من تشكيل رادع لحكومة نتنياهو.

 

– الانتخابات المقرّرة في السابع والعشرين من تشرين الأول تضغط على قوى تخشى فقدان قدرتها على تقرير الوقائع. وسموتريتش الذي لجأ إلى تحالف انتخابيّ لتحسين فرص تجاوز نسبة الحسم، سبق أن حذّر من قدرة حكومة مقبلة على الإضرار بالتوسع الاستيطاني. ولذلك يصبح التصعيد وسيلة لتثبيت الإنجازات قبل احتمال خسارة السلطة، ومادة لاستنهاض الجمهور الذي يرى في الضم والسيطرة على المقدّسات معياراً للوفاء بالوعود.

 

– وفي المقدسات تتكثف هذه السياسة. ففي الثامن والعشرين من أيلول، قال بن غفير من داخل الأقصى، «نحن أصحاب المكان». وفي اليوم التالي شارك في اقتحام الحرم الإبراهيمي، بينما مُنع الفلسطينيون وإدارة الحرم وسدنته من الدخول. ثم وثّقت «وفا» في الثلاثين من أيلول اقتحام 1317 مستوطناً للأقصى، مع صلوات جماعية وطقوس دينية علنية وتقييد وصول المسلمين. إنها ممارسة لادعاء الملكية عبر الشرطة والبوابات والصلاة المحمية.

 

– ويبدو أن قادة التصعيد يراهنون على أن الغضب العربي والإسلامي لن يتحول إلى كلفة تفرض التراجع. خصوصاً بعدما شجّعت تجربة حرب الإبادة في غزة الحكومة الإسرائيلية على الاعتقاد بأن حدود الاعتراض الرسميّ قابلة للاحتواء، بما يضاعف خطر تجاوز خطوط أشد حساسية.

 

– غير أن تقدير الرد الرسمي لا يكفي لتقدير الرد الفلسطيني. لأن استهداف الأقصى والحرم الإبراهيمي يتمّ في سياق استهداف متصاعد لشعب يتعرّض للاقتلاع، معركة البقاء والهوية والحق في الأرض. وفي لحظة جنون المستوطنين الوحشي سوف تقع حوادث دموية كبرى، فيلتقي الغضب المتراكم من المخيمات والقرى والمنازل المهدّمة عند اعتداء على المقدسات وثورة الغضب. لذلك تبدو الضفة والقدس عشية الانفجار الكبير.