Beirut weather 21 ° C
تاريخ النشر October 1, 2026
A A A
الغلاء يأكل ما بقيَ من المائدة!

كتب عباس المعلم 

في لبنان، لا تتوقف زيادة المحروقات عند محطة البنزين؛ تخرج منها لتلاحق المواطن إلى بيته، تدخل مع الشاحنة إلى السوق، ومع المولّد إلى البرّاد، ومع كلفة النقل والتبريد إلى الملحمة والسوبرماركت، ثم تستقرّ في النهاية داخل صحن العائلة. ارتفاع صفيحة المازوت 55 ألف ليرة لتبلغ 2.823 مليون ليرة ليس مجرد رقم جديد في جدول الأسعار، بل حلقة إضافية في سلسلة غلاء لا تكاد تنتهي، فيما الراتب نفسه يقف عاجزاً يتفرّج على الأسعار وهي تبتعد عنه يوماً بعد يوم.

والقصة لم تعد قصة لحم أو دجاج فحسب، بل قصة مائدة لبنانية يجري تفريغها بصمت. كيلو لحم البقر بلغ نحو 1,396,000 ليرة، ولحم الغنم نحو 2,211,000 ليرة، والفروج نحو 323,000 ليرة، لكن الأشدّ قسوة من الأرقام هو ما يحدث خلفها: أب يحسب ثمن الطبخة قبل أن يسأل أولاده ماذا يشتهون، وأمّ تعيد ترتيب وجبات الأسبوع وفق ما يحتمله الجيب لا وفق ما تحتاجه العائلة، وبيوت باتت تختصر الكمية، وتستبدل الأصناف، وتحذف من المائدة ما كان قبل سنوات من أبسط تفاصيل الحياة. هكذا يتحوّل الغلاء من أزمة اقتصادية إلى اقتطاع يومي من مستوى عيش الناس وكرامتهم.

واللبناني الذي خسر الكثير من قيمة دخله لا يحتاج إلى خبير اقتصادي ليشرح له معنى التضخم؛ يراه في كيس أصغر يعود به من السوبرماركت بالمبلغ نفسه، وفي برّاد يقلّ ما فيه آخر الشهر، وفي أولاد تكبر احتياجاتهم بينما تنكمش قدرة أهلهم على تلبيتها. ومع كلّ ارتفاع جديد في المحروقات تبدأ الكلفة رحلتها عبر النقل والتشغيل والتبريد والاستيراد والتوزيع، وفي بلد ضعيف الرقابة والحماية، يخشى المستهلك أن تنتهي معظم هذه الرحلة، كالعادة، عند جيبه.

الأكثر إيلاماً واستفزازاً أنّ اللبناني بات مطالباً في كلّ أزمة بأن «يتأقلم»: أن يأكل أقلّ، ويشتري أقلّ، ويتنقل أقلّ، ويؤجل حاجاته أكثر. لكن إلى أين يمكن أن يستمرّ هذا التأقلم؟ عندما تبدأ العائلة بشطب اللحم، وتقليص الدجاج، وحساب كلفة الطبخة قبل إعدادها، لا نكون أمام موجة غلاء عابرة، بل أمام انكماش قاسٍ للحياة نفسها. والمشكلة لم تعد أنّ الأسعار ترتفع فقط؛ المشكلة أنّ مائدة اللبناني تصغر، فيما لا أحد في الدولة يبدو مستعجلاً ليسأل كم بقي عليها قبل أن تصبح فارغة…

 

*كاتب سياسي