Beirut weather 24 ° C
تاريخ النشر September 29, 2026
A A A
إيران أميركا في الميزان وترامب يخسر الرهان…

كتب محمد صادق الحسيني

 

 

 

كلّ المعطيات الميدانية بخصوص مستقبل المواجهة بين أميركا وإيران تفيد بأنّ ترامب وصل إلى نهاية الطريق في أزمته العاصفة التي تكاد تخنقه، وبات بين أمرين أحلاهما مرّ، إما أن يستسلم لشروط إيران ويعود إلى مذكرة إسلام آباد مضافة إليها شروط جديدة منها قبول التوافق الإيراني العُماني بخصوص جنوب المضيق (مضيق هرمز)، ووقف العمليات مع اليمن مقروناً بإذعان لشروطها في فك الحصار عنها ووقف العدوان عليها (مع فتح باب الاحتمالات واسعاً حول مستقبل السيادة على مضيق باب المندب).

وإما الإقدام على عمل عسكري يتمنّاه خاطفاً ضدّ إيران للخروج بمظهر البطل والمنتصر ظناً منه أنّ ذلك سيغطي على هزيمته العسكرية المخزية في حربيه السابقتين، ما قد يجنّبه الهزيمة الداخلية التي تنتظره في الانتخابات النصفية في نوفمبر المقبل.

غير أنّ الإيرانيين ينتظرونه بفارغ الصبر ليلقنونه هذه المرة هزيمة أكثر شدة وأقسى من سابقاتها، كما يسرّب صنّاع القرار الإيراني، فكلّ المعطيات العسكرية والأمنية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية في إيران تفيد حسب التسريبات بما يلي:

ـ لقد تمكنت إيران من تطوير دفاعاتها وتقنياتها العسكرية ما يجعل ضرباتها هذه المرّة أوسع نطاقاً تصل إلى أعماق المحيط الهندي، وأشدّ إيلاماً ما يجعل العديد والعتاد الأميركي أكثر تضرّراً بشكل لا يُقارن مع الحربين الماضيتين.

ـ لقد تمكنت إيران من ضبط وربط الساحة الداخلية بشكل محكم بحيث إنّ عمليات الاغتيالات التي يفكر فيها الأميركي للقادة تكاد تقترب الصفر، وإنّ الانتفاضات المسلحة التي يعدّ لها من شمال غرب الحدود (أيّ الأكراد) وجنوب شرقها (أيّ البلوش)، تكاد تكون قد خنقت في مهدها قبل أن تنطلق، فضلاً عن أنّ الساحة الشعبيّة صاحية 24 على 24 دفاعاً عن النظام، حتى إنّ الشارع قد يصبح طوال ساعات الليل والنهار ممتلئاً بالجماهير المحتشدة بشكل تتناوب عليه المجموعات الشبابية.

ـ لقد تمكنت الدولة الإيرانية من تحشيد كلّ إمكاناتها المالية وقدراتها الذاتية للمقاومة الاقتصادية لأشهر وقد تمتدّ لأكثر من سنة، فالمخازن ممتلئة وبيع النفط الإيراني لم ينقطع وهو يباع في البحر الآن بأكثر من 130 دولاراً للبرميل (بالمناسبة النفط الآخر يباع بنحو 170، خلافاً لكذبة أسعار برنت)، ما يعني أنّ الموارد الإيرانية تتدفق على السوق الإيرانية إضافة إلى خطوط النقل المفتوحة من الصين وروسيا بالقطارات وغير القطارات.

ـ أما في الجانب السياسي والديبلوماسي فقد تمكنت طهران من تشديد اللحمة الداخلية، وكذلك نجحت إقليمياً ودولياً في تعزيز وترسيخ القناعة التي تفيد بأنّ السياسة والديبلوماسية هي وسيلة من وسائل الحرب المفتوحة، وبالتالي ثمة إجماع محكم حول صنّاع القرار داخلياً مهما تعالت بعض أصوات النشاز، كما نجحت طهران في حياكة حزام أمن واطمئنان من حولها إقليمياً ودولياً مما يجعل الموقف من أيّ حرب عدوانية مستقبلية لن يكون لصالح أميركا.

ـ النقطة الأكثر حرجاً لترامب وصنّاع القرار المتفرّقين والمشتتين والمتردّدين من حوله، هو أنّ إيران أعدّت نفسها لجعل أيّ عدوان مستقبلي ضدها يصبح حرباً إقليمية شاملة وطويلة وهو ما لا تريده أميركا وتتهيّبه، ما يجعل الحرب الخاطفة التي يفكر بها ترامب غير مضمونة النتائج بتاتاً.

في هذه الأثناء فإنّ كلّ المعطيات التي لدى الإيرانيين حول حلفائها من الإقليم تفيد بأنّ اليمن في طريقه لجعل المنطقة كلها تشتعل في كلّ البحار من بحر العرب وصولاً للمتوسط، فضلاً عن خيار الدخول البري لاستعادة المحافظات اليمنيّة الثلاث جيزان ونجران وعسير…

في هذه الأثناء تكون المقاومة اللبنانية قد استعادت عافيتها وصارت جاهزة لشنّ حرب موجعة وأشدّ إيلاماً هذه المرة ضدّ العدو الصهيوني.

أما المقاومة العراقية التي لم تتأثر عملياً في الحروب السابقة كثيراً، فستظهر في أقوى حلقات فتوتها وعنفوانها.

هذه المعطيات والتي تتردّد أصداؤها في دوائر الاستخبارات الأميركية والصهيونية أيضاً هي التي تجعل حتى الآن كلاً من ترامب والنتن ياهو متردّدين في انتخاب خيار التصعيد ضدّ إيران، ما يجعل التخمين بساعة الصفر لشروع المواجهة قبل انتخابات تشارين الإسرائيلية والأميركية، أمراً صعباً للغاية.

ترامب يريد الضربة الخاطفة قبل الانتخابات من أجل أمور كثيرة شرحنا أهمّها أعلاه، لكن أيضاً من أجل السيطرة على أسعار النفط وتخفيضها،

غير أنّ رغبته الأصلية القضاء على النظام في إيران وتجزئة البلاد وتقسيمها وابتلاع مقدراتها، ويشاركه في ذلك النتن ياهو بقوة، لكن ذلك لن يكون لهما بأيّ شكل من الأشكال وفي كلّ الأحوال، بل إنّ العكس تماماً هو ما يحصل الآن وسيتكرّس ويتعزز كلما مرّ الزمن أكثر.

لقد خلقت الحربين الماضيتين إيراناً جديدة أكثر قوة وأشدّ بأساً وأكثر عداء لكلّ ما هو مستعمر أو أجنبي طامع ببلاد الإيرانيين، بشكل يذهل العدو ويشفي صدور الأصدقاء.

وقد جاءت شهادة الإمام السيد علي الخامنئي تتويجاً لهذا الانبعاث الجديد للأمة الإيرانية،

كيف؟

مَن هو مؤمن وملتزم بالنظام تعزز عنده بلا شك ولا ترديد أنّ قائده هو حسين عصره،

ومَن هو أكثر بعداً وعمقاً وعالمي التوجه والرؤية صار عنده قائد الثورة من الممهّدين والـ 313 الذين سيقاتلون مع المهدي الموعود.

أما مَن هو مخالف لنظام الثورة الإسلامية ولكنه يعشق إيران صار أولاً يعشق إيران أكثر، ومن ثم صار عنده السيد علي الخامنئي أسطورة بطوليّة تجدد الأسطورة التاريخية المذكورة في شاهنامة أبو القاسم الفردوسي عظيم أدباء وفلاسفة إيران القديمة وهو “رستم”، وبالمناسبة فإنّ رستم أمّه يمنية…

هذه العجينة أو الخميرة الأسطورية لإيران الجديدة، لا يمكن أن تقسم فضلاً عن أنّها تهزم فهي ستقاتل لأجيال وبالنيابة عن أجيال.

فهل يستوعب ترامب المنهك والمأزوم والغارق في مستنقع الصهيونيّة ما يجري حالياً في النفوس الإيرانية!؟

إنه ميزان قوة التاريخ في جغرافيا آخر الزمان،

عالم ينهار، عالم ينهض،

بعدنا طيبين قولوا الله…