Beirut weather 20 ° C
تاريخ النشر September 26, 2026
A A A
سلام في الأمم المتحدة.. أين الاعتداءات الإسرائيلية في خطاب لبنان؟؟..
الكاتب: غسان ريفي

كتب غسان ريفي في سفير الشمال 

 

 

كان يفترض أن تكون كلمة رئيس الحكومة نواف سلام أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة فرصة استثنائية لوضع العالم أمام حقيقة ما يجري في لبنان، لا أن تكتفي بإعادة عرض العناوين السياسية والقانونية المعروفة. فلبنان الذي يقف أمام الأمم المتحدة ليس مجرد دولة تسعى إلى استعادة الثقة وإجراء الإصلاحات، بل بلد يتعرض لاعتداءات إسرائيلية متواصلة، فيما الجنوب يعيش تحت وطأة الاحتلال والدمار والتهجير.

 

من هنا، فإن الملاحظة الأساسية على الكلمة ليست ما قاله سلام، بل ما لم يقله بالوضوح والقوة اللذين تفرضهما طبيعة المرحلة.

 

 

 

 

فقد تحدث سلام عن الانسحاب الإسرائيلي، وتطبيق القرار 1701، والمفاوضات، والإطار الثلاثي، والجدول الزمني وآلية التحقق، لكنه لم يحوّل منصة الجمعية العامة إلى منبر لبناني لعرض حجم الاعتداءات الإسرائيلية بالتفصيل، ولم يقدم أمام العالم الصورة الكاملة للدمار الذي أصاب القرى والبلدات والمنازل والمرافق، ولا معاناة العائلات التي فقدت أبناءها وأرزاقها وبيوتها.

 

كان يمكن لرئيس الحكومة أن يرفع أمام ممثلي دول العالم صوراً وخرائط ووثائق عن الاعتداءات الإسرائيلية، لجهة القرى التي دُمرت، المنازل التي سُوّيت بالأرض، المناطق التي مُنع أهلها من العودة إليها، وعمليات التجريف، والآثار التي تركتها الغارات والعمليات العسكرية على المدنيين والبنى التحتية وسقوط الشهداء والجرحى بالآلاف.

 

 

وكان يمكن أن يعرض صور العائلات التي فقدت أبناءها، لا باعتبارها أرقاماً في تقارير، بل باعتبارها وجهاً إنسانياً لعدوان لا يزال مستمراً.

 

 

 

فالأمم المتحدة ليست فقط المكان الذي يطلب فيه لبنان تنفيذ الاتفاقات، بل المكان الذي يفترض أن يضع فيه الطرف المعتدى عليه المجتمع الدولي أمام مسؤولياته.

 

 

 

واللافت أن الأمم المتحدة نفسها سبق وتحدثت عن تصعيد العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان، وسقوط مدنيين بينهم نساء وأطفال، ونزوح السكان، ودمار واسع، واستهداف مستشفيات وعاملين صحيين ومؤسسات عامة، ودعت إسرائيل إلى الانسحاب من الأراضي اللبنانية واحترام سيادة لبنان. كما سجلت اليونيفيل مرات عدة أعداداً كبيرة من الانتهاكات التي طالت القرى الآمنة، فضلا عن العديد من رؤساء الدول أشاروا في كلماتهم من على منبر الأمم المتحدة إلى الاعتداءات الاسرائيلية على لبنان وطالبوا بوقفها.

 

 

هنا يبرز سؤال سياسي أكبر مفاده: هل أصبح لبنان يتعامل مع العدوان الإسرائيلي من داخل سقف اتفاق الإطار إلى درجة تجعله ممنوعا من فتح ملف الانتهاكات أمام المجتمع الدولي؟

 

 

 

هذا السؤال لا يأتي من فراغ. فقد أثارت المادة 13 من اتفاق الإطار جدلاً واسعا حول منع لبنان من اللجوء إلى المحافل الدولية، فيما اعتبرت منظمات حقوقية أن بعض بنود الاتفاق قد تقيد حق ضحايا الانتهاكات في الوصول إلى العدالة.

 

 

 

وبالتالي، فإن المشكلة ليست في أن الرئيس سلام تحدث عن المفاوضات، فهذا جزء من مهمته السياسية، لكن المشكلة أن المفاوضات لا ينبغي أن تتحول إلى ستار يحجب الاعتداءات، ولا أن يصبح الالتزام بالإطار التفاوضي سبباً في تخفيف اللهجة اللبنانية أمام الأمم المتحدة، وهي المؤسسة التي يفترض أن تكون المرجع الطبيعي لتوثيق الخروقات والانتهاكات وحماية الدول الصغيرة من منطق القوة.

 

 

 

 

كان يمكن لسلام أن يقول بوضوح: نعم، نحن نتفاوض، ونعم، نريد تطبيق الإطار، ونعم، نريد حصر قرار الحرب والسلم بالدولة، لكن ذلك كله لا يمنح إسرائيل حق قتل اللبنانيين أو تدمير قراهم أو احتلال أرضهم أو منع أهلهم من العودة إليها.

 

 

 

فالسيادة التي تحدث عنها سلام لا تكتمل فقط باستعادة قرار الحرب والسلم، بل تبدأ أيضاً من حماية الأرض والشعب، ومن مطالبة المجتمع الدولي بمحاسبة من يعتدي على السيادة اللبنانية.

 

 

 

أما في الشق الداخلي من الكلمة، فقد عاد سلام إلى الإصلاح والقضاء والاقتصاد والودائع والإدارة واستعادة الثقة. وهي ملفات أساسية بلا شك، لكن اللبنانيين يعرفونها جيداً، كما يعرفون حجم أزماتهم.

 

 

وما ينتظرونه هو نتائج يشعرون بها، لا إعادة تعريف المشكلة من على منبر دولي.

 

 

 

لذلك كان الأجدى أن تحمل كلمة لبنان كشف حساب للعدوان قبل أن تكون كشفاً لعناوين الإصلاح: ماذا فعلت إسرائيل؟ كم دمرت؟ من تهجّر؟ من قتل؟ ما الذي تغير على الأرض؟ ماذا فعل المجتمع الدولي؟ وما الذي تطلبه الدولة اللبنانية بصورة واضحة؟

 

 

 

وكان يمكن لنواف سلام، من على أعلى منبر دولي، أن يقول للعالم ببساطة: نحن نفاوض من أجل السلام، لكننا لا نفاوض على حق لبنان في أن يشتكي، ولا على حق اللبنانيين في أن تُحمى حياتهم وأرضهم، ولا على حق العائلات التي فقدت أبناءها في العدالة.