Beirut weather 31 ° C
تاريخ النشر September 17, 2026
A A A
“يا عيب الشوم”.. جلسة لزوم ما لا يلزم!..
الكاتب: غسان ريفي

كتب غسان ريفي في سفير الشمال 

 

 

“يا عيب الشوم”.. كلمة رددها رئيس مجلس النواب نبيه بري أكثر من مرة، تعليقاً على المستوى الذي وصل إليه بعض النواب في سجالاتهم وتخاطبهم تحت قبة البرلمان اللبناني، وعلى مرأى ومسمع العالم أجمع.

 

 

 

لم تكن الجلسة النيابية التي امتدت ليومين متتاليين لمناقشة عمل حكومة نواف سلام أو مساءلتها، كما حمل عنوانها وسبب الدعوة إليها، سوى جلسة انتهت إلى تثبيت أمر واقع مفاده أن هذه الحكومة يفترض أن تستمر وتحكم إلى حين أن تؤدي كل المهام المطلوبة منها سياسياً، فيما تبقى مطالب اللبنانيين وحاجاتهم وتطلعاتهم وأزماتهم في آخر اهتماماتها.

 

 

 

 

يبدو واضحا أن المهام السياسية والأمنية الكثيرة المفروضة على حكومة سلام لا تترك لها، بحسب أدائها حتى الآن، مساحة لمعالجة قضايا الناس، ولا تسمح لها بإيجاد إيرادات للخزينة إلا من جيوب المواطنين.

 

وسلام الذي يرفع شعار حصرية السلاح وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، بالرغم من الاحتلال الإسرائيلي الذي يتوسع يوماً بعد يوم، لا يستطيع “حمل أكثر من بطيخة في يد واحدة”، لذلك يعتمد الحلول الأسهل من خلال قرارات ارتجالية وعشوائية وغير قابلة للتنفيذ، يرافقها فرض المزيد من الأعباء على المواطنين الذين ضاقوا ذرعاً بما يواجهونه ويعانونه في تفاصيل حياتهم اليومية.

 

 

 

 

من هنا، يمكن القول إن جلسة مناقشة عمل الحكومة أو مساءلتها كانت “لزوم ما لا يلزم”، فهي فضلاً عن أنها أضاعت أوقات اللبنانيين وقطعت عنهم البرامج والمسلسلات التي يتابعونها، لم تنتج أي تغيير سياسي أو حكومي أو معيشي يُذكر، بل أدت إلى تعزيز الانقسام السياسي، ورفع المزيد من المتاريس بين الكتل النيابية، ورفع مستوى التحريض واللعب على الغرائز الطائفية والمذهبية، من دون أن تبدل شيئاً من الواقع الذي يعيشه اللبنانيون.

 

يومان من الخطابات الرنانة التي اعتمدت شعبوية ممجوجة ملّها اللبنانيون، وهدفها شد العصب ومحاولة استمالة الشارع واستعادة شعبية مفقودة، فضلاً عن البروباغندا التي سارع بعض النواب إلى افتعالها على الهواء مباشرة، من خلال استجداء إشكال هنا وتلاسن هناك مع هذه الجهة أو تلك، لتسجيل النقاط وإظهار قوة الحضور أمام الجمهور واستمالة عطف شعبي،

 

 

 

 

 

وهكذا تحولت بعض المداخلات إلى ما يشبه “حمام مقطوعة مياهه”، بفعل الردود والردود المضادة وتبادل الاتهامات، وصولاً إلى حدود الشتائم، فيما المواطن اللبناني كان ينتظر من جلسة المساءلة شيئاً مختلفاً: تحسيناً في الأداء، أو تطويراً في الخدمات، أو إجبار الحكومة على تغيير مساراتها السياسية والاجتماعية، والانتباه أكثر إلى حاجات المواطنين. لكن “لا حياة لمن تنادي”.

 

 

 

كما كان متوقعاً، فقد نالت الحكومة ثقة 68 نائباً، وحجب عنها الثقة 12 نائباً، وامتنع اثنان من النواب عن التصويت، فيما غاب عن التصويت 46 نائباً، ربما منعاً للإحراج أمام جمهورهم أو أمام الجهات الإقليمية والدولية التي ما تزال تشكل الغطاء لهذه الحكومة.

 

 

 

 

ثقة الـ68 نائباً أعطت حكومة سلام متسعاً من الوقت لتعيش على الأوكسجين السياسي الممنوح لها من الخارج، لكنها لم تمنحها بالضرورة ثقة الشارع، ولا غيّرت في واقع الناس شيئاً. فالحكومة التي خرجت من جلسة المساءلة بأكثرية نيابية، خرجت في المقابل من دون إجابات مقنعة على الأزمات التي تحاصر اللبنانيين، ومن دون أن تقدم مؤشرات جدية إلى تغيير في طريقة إدارة الملفات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

 

 

 

وإذا كانت جلسة المساءلة قد عقدت من أجل تبريد الشارع الذي يغلي على إهمال ولامبالاة وقرارات الحكومة، فإن انعقادها، وما شاهده اللبنانيون على شاشات التلفزة، ساهم في زيادة الاحتقان إلى مستوى اشتعال الشارع غضباً على الحكومة وعلى النواب الداعمين لها، خصوصاً أن الأسئلة الأساسية التي عُقدت الجلسة من أجلها بقيت معلقة: ماذا عن الكهرباء؟ ماذا عن أموال المودعين؟ ماذا عن أسعار المواد الغذائية والمحروقات؟ ماذا عن العدوان الإسرائيلي؟ ماذا عن التفاوض واتفاق الاطار؟ وماذا عن قدرة الدولة على حماية اللبنانيين ومعالجة أزماتهم بدل تحميلهم المزيد من الأعباء؟

 

 

 

 

صحيح أن الحكومة لم تسقط في مجلس النواب بفعل الغطاء السياسي الخارجي الذي يفرض على أكثرية الداخل منحها الثقة، لكن من غير المستبعد أن يكون الإسقاط لاحقا في الشارع، إذا ما استمرت الأوضاع على ما هي عليه، وبقيت المساءلة مجرد جلسة للخطابات وتسجيل المواقف، لا جلسة لإنتاج الحلول وتغيير المسارات.