Beirut weather 32 ° C
تاريخ النشر September 17, 2026
A A A
باب المندب يقلب الطاولة على الانقلاب
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في البناء 

لم يكن فتح جبهة اليمن عملاً منفصلاً عن الحرب على إيران، بل محاولة لمعالجة الثغرة التي تمنع واشنطن والرياض من تحويل الضغط العسكري والاقتصادي إلى حصار استراتيجي مكتمل. فعندما تتعطّل الملاحة في هرمز، تصبح موانئ البحر الأحمر وخط الأنابيب السعودي الواصل إلى ينبع بدائل حيوية. لكن قيمة هذه البدائل تسقط إذا بقي باب المندب تحت قدرة أنصار الله النارية. لذلك كان تأمين الساحل اليمني، من الحديدة إلى المخا وميون، شرطاً ضرورياً لاستدامة المواجهة مع إيران، ومنح معنى عملياتي واستراتيجي للعمليات الأميركية العسكرية في مضيق هرمز، سواء لإعادة إنشاء معبر جنوبي في مياه عُمان الإقليمية أو لإحكام الحصار على الموانئ الإيرانية. ولم تكن عملية اليمن مجرد فصل في الحرب اليمنيّة، حتى يمكن القول بفصل كل المقدّمات والعناصر المرافقة للحرب، بل إنّه تم الاستعداد لها منذ صدور بيان المنامة عن الاجتماع الذي جمع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي ووزير خارجية أميركا، والذي أسس للممر العُماني في مضيق هرمز وأطلق الاتفاق اللبناني الإسرائيلي كخطوتين في سياق الانقلاب على مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية، وكان يحتاج إلى الضلع اليمني ليكتمل مثلث الانقلاب.

 

قبل انقلاب المشهد، تحدّثت حكومة عدن بلغة المنتصر. أُعلنت عمليات واسعة على ثلاثة محاور، مع تقدّم في الجوف وتعز والحديدة. وأشاد رئيس مجلس القيادة رشاد العليمي بما وصفه باستعادة المبادرة، بينما أعلن نائب وزير الدفاع سمير الصبري، في 7 أيلول 2026، أن «قرار تحرير صنعاء اتُّخذ نهائياً»، وأن المعركة أصبحت معركة حسم. لم تكن الرسالة دفاعية، بل كانت إعلان انتقال من تثبيت خطوط التماس إلى محاولة تغيير موازين الحرب والوصول إلى صنعاء. وقد واكبت الغارات السعودية التحرك البري، بما أوحى بأن ساعة الحسم الموعودة قد بدأت فعلاً.

 

ما أعقب ذلك لم يكن تراجعاً محدوداً في خطوط القتال. فقد انتقل أنصار الله بسرعة من احتواء الهجوم إلى عمليّة مضادة انتهت بالسيطرة على حيس والخوخة والمخا وذوباب وميون وباب المندب. وقالت الجماعة إن العملية شملت ست مديريات ومساحة تقارب 5400 كيلومتر مربع، وإنّها واجهت سبع فرق تضم 38 لواء. والنتيجة الجغرافية الأساسية الثابتة هي أن القوة التي قيل إنها تتجه نحو الحديدة وصنعاء فقدت خلال أيام أهم مواقعها الساحليّة، وأهم موقع استراتيجي كانت تحميه لحساب الحلف الأميركي السعودي في باب المندب.

 

في وقت لاحق، كشفت وكالة أكسيوس عن اجتماع عُقد قبل العمليات، غير معلن في ألمانيا، ضم قادة عسكريين من الولايات المتحدة و”إسرائيل” والسعودية والإمارات والبحرين والكويت وقطر والأردن ومصر، بدعوة من قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر، لمناقشة الحرب مع إيران والتوترات الإقليمية. وإذا كان الاجتماع لا يثبت وحده أنه اتُّخذ قرار الهجوم في اليمن، لكنه يثبت وجود بنية تنسيق عسكري إقليمي تتعامل مع إيران واليمن والممرات البحرية بوصفها مسرحاً واحداً كما ورد في خبر أكسيوس عن جدول أعمال الاجتماع.

 

حاولت واشنطن تفكيك أوراق القوة الإيرانية بالتتابع عبر تحييد الجبهة اللبنانية، والسعي لضبط هرمز بتفاهم عماني، وتأمين باب المندب بعملية يمنية. وعندما تعثّرت التسويات، استُخدمت القوة لتحسين الشروط. لكن الحرب حول هرمز لم تُعِد الملاحة الطبيعية، ولم تغير ميزان الصمود الإيراني، بينما ارتفعت كلفة النفط والتأمين واستُهلكت ذخائر دفاعيّة يصعب تعويضها سريعاً. وفي لبنان لم تنجح محاولات احتواء وتطويق المقاومة رغم مرور شهور على الاتفاق مع السلطة اللبنانية التي فقدت الكثير من سمعتها ورصيدها بسبب هذا الاتفاق، وها هو الضلع اليمني يتوّج الفشل المربع بالفشل المكعب.

 

في 16 أيلول، أظهرت بيانات نقلتها رويترز عبور أربع سفن سلع ظاهرة فقط، مقابل متوسّط عشرة أيام بلغ نحو 18 سفينة، من دون ناقلات نفط عملاقة أو ناقلات غاز مسال. وبقي سعر برنت قريباً من 108 دولارات. وهذا يعني أن إعلان «فتح هرمز» لم يتحوّل إلى تدفق تجاري طبيعي، وأن البديل السعوديّ عبر البحر الأحمر أصبح أكثر أهمية في اللحظة نفسها التي سقط فيها باب المندب من الحسابات السعودية، لكن النفط السعودي خرج من السوق، حيث لا ناقلات تعبر باب المندب ولا نفط يتم ضخه من ينبع بعد استهداف خط شرق-غرب وتعطيله.

 

لقد استطاعت إيران احتمال الضغط بفضل قاعدة إنتاج محلية واسعة، ودعم الطاقة والخدمات والسلع الأساسية، وإن كان ذلك لا يعني غياب الكلفة أو التدهور المعيشي. لكن المشكلة الأميركية هي أن الحصار يحتاج وقتاً لا تملكه أميركا، بينما الحرب تستهلك المخزونات وترفع أسعار الطاقة وتضغط على الداخل الأميركي. ولهذا كان الرهان على حسم سريع في اليمن عبر إزالة تهديد باب المندب ثم التفرّغ لفرض شروط أشدّ على طهران.

 

أقوى دليل على سقوط هذا الرهان جاء بعد المعركة. فقد طلب محمد بن سلمان من ترامب، وفق أكسيوس ورويترز، توجيه ضربات أميركية إلى أنصار الله، لكن ترامب رفض التدخل المباشر واكتفى بالدعم الاستخباريّ. ثم اجتمع مسؤولون أميركيون سراً بممثلين عن أنصار الله في مسقط. هكذا انتقلت واشنطن، خلال أيام، من انتظار حسم سعودي يمني إلى البحث عن ضمانات منفصلة لأمن سفنها.

 

معركة اليمن لم تكن مخططاً مستقلاً، بل حلقة أساسية في محاولة تطويق إيران وتجريدها من أوراق الممرات والجبهات. غير أن العملية المضادة نقلت باب المندب من بند يُراد حسمه إلى ورقة تفاوض أقوى. ستحتاج الرياض وواشنطن بعض الوقت لاستيعاب التحوّل، لكن الاتجاه المرجح أصبح معاكساً للخطة الأصلية نحو عودة سعودية تدريجية إلى التفاهم العماني الإيراني، وعودة أميركية إلى مذكرة التفاهم، لا نتيجة اقتناع سياسي مفاجئ، بل لأن الحسم الذي كان مطلوباً في صنعاء وقع في باب المندب وبالاتجاه المعاكس.