Beirut weather 31 ° C
تاريخ النشر September 16, 2026
A A A
جلسة المناقشة اليوم أقرب إلى اختبار سياسي للحكومة منها إلى استحقاق فعلي لإسقاطها

كتب حسين زلغوط:

يعود مجلس النواب عند الساعة الحادية عشرة من قبل ظهر اليوم إلى عقد جلسة مناقشة الحكومة في جولتها الثانية والأخيرة، بعدما شكّلت الجلسة الأولى مساحة واسعة للمداخلات النيابية التي تناولت أداء الحكومة وسياساتها والملفات التي لا تزال عالقة في البلاد. وفي الجولة الجديدة سيواصل النواب الكلام في مختلف الملفات المطروحة، لينتقل الكلام في نهايتها إلى رئيس الحكومة نواف سلام، الذي يفترض أن يردّ على مداخلات النواب، في محاولة لإعادة ترتيب المشهد السياسي وتقديم صورة أكثر وضوحاً عن المرحلة المقبلة.

لكن أهمية الجلسة اليوم لا تكمن فقط في الردود التي سيقدّمها رئيس الحكومة، ولا في الملاحظات التي ستتكرر على لسان النواب، بل في السؤال السياسي الأوسع الذي يفرض نفسه: هل يمكن أن تتحوّل جلسة المناقشة إلى مواجهة تؤدي إلى إسقاط الحكومة، أم أن الظروف المحيطة بالبلاد تجعل من استمرارها الخيار الأكثر ترجيحاً؟

المؤشرات السياسية تبدو واضحة في هذا الاتجاه. فحتى لو اختارت بعض الكتل النيابية كتكتل «لبنان القوي» رفع سقف المواجهة، وحتى لو قررت خوض معركة حجب الثقة، فإن إسقاط الحكومة لا يبدو أمراً سهلاً في ظل التوازنات الحالية، وإذا كان من غير المستبعد أن يطرح تكتل «لبنان القوي» الثقة بالحكومة، فإن مجرد طرح الثقة لا يعني بالضرورة توافر الأكثرية اللازمة لحجبها، خصوصاً أن المشهد النيابي لا يوحي بوجود كتلة سياسية وازنة متماسكة تتجه نحو إسقاط الحكومة وتحمّل تبعات هذا الخيار.

وهنا تحديداً تظهر أهمية الظروف المحلية والإقليمية والدولية التي تحيط بلبنان الذي لا يمرّ في مرحلة عادية يمكن خلالها التعامل مع الحكومة وكأنها حكومة طبيعية تعمل في ظروف مستقرة، بل تواجه مجموعة من الملفات الثقيلة والمتشابكة، من الوضع الاقتصادي والاجتماعي، إلى الاستحقاقات الأمنية والسيادية، وصولاً إلى العلاقات الخارجية والضغوط الدولية والملفات المرتبطة بالوضع الإقليمي المتوتر.

وفي مثل هذه الظروف، تصبح المحافظة على الحد الأدنى من الاستقرار السياسي هدفاً بحد ذاته. وليس من السهل على أي قوة سياسية أن تتحمّل مسؤولية إسقاط حكومة من دون أن تكون قادرة على تقديم بديل واضح وسريع، خصوصاً أن الفراغ الحكومي أو الدخول في أزمة تأليف جديدة قد يفتح الباب أمام مزيد من التعقيدات، في وقت يحتاج فيه لبنان إلى حكومة قادرة على اتخاذ القرارات ومواكبة التطورات المتسارعة.

من هنا، فإن جلسة اليوم تبدو أقرب إلى اختبار سياسي للحكومة منها إلى استحقاق فعلي لإسقاطها. فالنواب سيقولون ما لديهم، وسترتفع نبرة الانتقاد في بعض المداخلات، وقد تسجل القوى السياسية مواقف حادّة في بعض الملفات، لكن كل ذلك يبقى ضمن إطار اللعبة البرلمانية والسياسية، ما لم تتوافر إرادة فعلية لتغيير المعادلة الحكومية.

واللافت أن الثقة بالحكومة لا تعني بالضرورة الرضا عن أدائها. فهناك فارق كبير بين أن تحصل الحكومة على الثقة وأن تحصل على تفويض مفتوح، ومن المرجح أن تكون الرسالة التي ستصل إلى رئيس الحكومة واضحة: الاستمرار ممكن، ولكن تحت سقف رقابة سياسية وبرلمانية أشدّ، وبانتظار نتائج ملموسة في الملفات التي تشغل اللبنانيين.

وهذا ما يجعل مهمة سلام دقيقة، فهو لا يواجه فقط أسئلة النواب، بل يواجه أيضاً حاجة إلى إقناع الرأي العام بأن حكومته تمتلك تصوراً واضحاً للمرحلة المقبلة، وأنها قادرة على الانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجة جذورها. فاللبنانيون لم يعودوا ينتظرون بيانات سياسية أو سجالات إضافية، بل يريدون خطوات عملية تخفف الأعباء عنهم وتعيد للدولة بعضاً من قدرتها على الفعل.

كما أن الرد الحكومي يفترض أن يتجاوز الدفاع التقليدي عن الأداء، ليقدم أجوبة واضحة حول ما يمكن إنجازه وما يحتاج إلى توافق سياسي، وما هي الملفات التي ستوضع في مقدمة الأولويات. فالحكومة، مهما كانت الظروف التي تحيط بها، ستبقى مطالبة بتحمّل مسؤولياتها كاملة، ولن يكون من السهل الاستمرار في تعليق التأخير أو التعثر على الخلافات السياسية وحدها.

في المقابل، فإن القوى المعارضة أو المنتقدة للحكومة أمام اختبارها الخاص أيضاً. فرفع سقف الخطاب السياسي شيء، وتحويل الاعتراض إلى مشروع سياسي متكامل شيء آخر. وإذا كان من حق أي كتلة نيابية أن تنتقد الحكومة أو تحجب عنها الثقة، فإن المسؤولية تقتضي في المقابل تقديم بديل قادر على إدارة البلاد في مرحلة شديدة الحساسية.

لذلك، فإن جلسة اليوم قد تنتهي سياسياً كما بدأت: الحكومة باقية، والمعارضة ترفع صوتها، والبرلمان يمارس دوره في الرقابة والمساءلة. لكن ما بعد الجلسة سيكون أكثر أهمية من الجلسة نفسها.

فالثقة النيابية، إذا حصلت، ستكون بداية الاختبار الحقيقي وليست نهايته. وبعد انتهاء التصويت والسجالات، ستعود الملفات نفسها إلى الواجهة: المفاوضات، السلاح، الاقتصاد، الإصلاح، الوضع الاجتماعي، الاستحقاقات الأمنية والسيادية، والعلاقات مع الخارج. وهناك فقط ستظهر قدرة الحكومة على تحويل المظلة السياسية التي تحيط بها إلى قوة فعلية تسمح لها بالإنجاز.

لا تبدو الحكومة اليوم أمام خطر السقوط تحت قبة البرلمان بقدر ما تبدو أمام خطر آخر أكثر أهمية: أن تبقى قائمة من دون أن تتمكن من إحداث تغيير حقيقي. فالحكومات لا تُقاس فقط بعمرها، ولا بعدد جلسات الثقة التي تعبرها، وإنما بما تتركه من نتائج في حياة الناس وفي أداء الدولة.

ولهذا، قد تكون الجلسة اليوم محطة لتثبيت الحكومة، لكنها في الوقت نفسه محطة لبدء العد العكسي أمامها. فبعدها لن يكون السؤال: هل بقيت الحكومة؟ بل ماذا ستفعل بعد أن بقيت؟ وهل ستنجح في تحويل الاستقرار السياسي الذي وفر لها مظلة البقاء إلى استقرار فعلي يشعر به اللبنانيون؟