Beirut weather 32 ° C
تاريخ النشر September 15, 2026
A A A
السراي في مرمى البرلمان: بري يرفع سقف الضغط على سلام ومظلة عربية ودولية تحبط محاولة إسقاط حكومته

كتب زياد سامي عيتاني

 

تتجه الأنظار نحو ساحة النجمة، حيث يترقّب الشارع السياسي انعقاد الجلسة النيابية المخصصة لمناقشة السياسة العامة للحكومة. وتأتي هذه الجلسة في لحظة أمنية وسياسية شديدة الحساسية. وأن التوقيت والسياقين الإقليمي والدولي يرفعان منسوب الضغط على رئيس الحكومة نواف سلام. غير أن هذه الضغوط تصطدم بشرط شارح وحاسم؛ إذ تبرز الضمانة الدولية والعربية كشبكة أمان صلبة تُحصِّن الحكومة وتمنع تحوّل الجلسة إلى قرار بإسقاطها، مع استمرار تمسّك العواصم الفاعلة بالاستقرار المؤسساتي ورفض المجازفة بفراغ تنفيذي جديد وسط المفاوضات المعقّدة حول ملفات الجنوب والسلاح.

 

• حصرية السلاح والشرعية.. عقدة الصراع وجوهر الخلاف

 

لا يمكن قراءة هذه الهجمة على سلام بمعزل عن جوهر الصراع السياسي والأمني الذي طبع المرحلة الأخيرة. فالاحتقان المتصاعد ضد حكومة نواف سلام لا يعود في حقيقته إلى التقصير الإداري أو الملفات الخدماتية، بل يضرب في عمق ملف «حصرية السلاح» وتنفيذ القرارات الدولية.

 

لقد أظهر سلام مقاربة صلبة وغير مائعة في هذا الملف؛ إذ كرر في مناسبات عدة أن حظر أي نشاط عسكري أو أمني خارج نطاق مؤسسات الدولة الرسمية، وحصر السلاح بيد الجيش والقوى الأمنية الشرعية، يمثلان مساراً سيادياً ثابتاً لا يخضع للمساومة ولا التراجع. ويرفض سلام بغضب الطروحات التي تتهم حكومته بتنفيذ «أجندات خارجية» أو خوض معركة بالإنابة، مؤكداً في كل مواقفه أن استعادة قرار السلاح والحرب والسلم هي المصلحة الوطنية العليا التي من دونها لا يمكن فتح مسارات تفاوض جدّية تضمن أمن لبنان وسيادته الكاملة على أرضه.

 

من هنا، تتوجس كتل نيابية أساسية من أن تتجاوز الجلسة البرلمانية إطارها الرقابي المعتاد لتتحوّل إلى «محاكمة سياسية» حادّة تتناول خيارات الحكومة التفاوضية، خصوصاً في ظل الخلافات المحتدمة حول النقاط الحدودية الحسّاسة ومسألة إعادة انتشار الجيش اللبناني جنوباً تنفيذاً للتوافقات الدولية.

 

• التوقيت المزدوج.. ضغوط الداخل وعينٌ على نيويورك

 

من العناصر التي تضاعف الحساسية السياسية لهذه الجلسة أن موعدها يتقاطع مباشرة مع ترتيبات سفر رئيس الحكومة نواف سلام إلى نيويورك لتمثيل لبنان في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. هذا التوقيت يفرض على سلام الاستعداد لمعادلة مزدوجة شديدة التعقيد:

 

– على الصعيد الداخلي: الوقوف على منصة البرلمان للدفاع عن سجل حكومته، وتبرير خياراتها السياسية والاقتصادية أمام كتل نيابية يملك بعضها أجندات إسقاط مبيتة.

 

– على الصعيد الخارجي: حمل الموقف الرسمي اللبناني إلى المحفل الدولي، والتفاوض باسم دولة تشهد مؤسساتها تجاذباً حادّاً حول قرارها السيادي.

 

إن وضع الحكومة أمام جلسة استجواب علنية في هذه اللحظة بالذات يرفع منسوب الإرباك، ويجبر رئيسها على خوض معركة تثبيت الشرعية في الداخل قبل الصعود إلى المنبر الدولي. وتدرك الأطراف المناوئة للحكومة أن إضعاف موقف سلام تحت قبة البرلمان سينعكس حكماً على قوة موقفه التفاوضي في واشنطن ونيويورك، ما يفسر الإصرار على حشر الحكومة في مهلة زمنية ضيقة للغاية.

 

• نبيه بري.. هندسة التوازنات بين التصعيد والتطفيئ

 

في مركز هذه الدائرة المعقّدة، يقف رئيس مجلس النواب نبيه بري في موقع يُعدّ الأكثر حساسية وتأثيراً. فحتى اللحظة، لا توجد مؤشرات قطعية تؤكد أن عين التينة اتخذت قراراً نهائياً بإسقاط الحكومة أو رفع غطائها السياسي.

 

تكمن الخصوصية في موقع رئيس المجلس في قدرته الاستثنائية على ممارسة الدورين المزدوجين في آن واحد:

 

– دور «المُصعِّد»: عبر فتح باب المساءلة النيابية على مصراعيه، وترك منصة البرلمان مادة دسمة للإعلام والرأي العام لزيادة الضغط على سلام وتدفيع حكومته أثماً سياسياً.

 

– دور «المطفئ»: عبر استخدام مطرقته لرسم سقف لا يُسمح بتجاوزه، ومنع انزلاق النقاشات إلى مواجهة طائفية أو دستورية لا تُحمد عقباها، وإدارة الجلسة بحيث تنتهي إلى مجرد «تنفيس احتقان» دون الوصول إلى طرح الثقة.

 

هذا التناقض الظاهري ينسجم كلياً مع المدرسة السياسية لبري، والتي تعتمد على إبقاء جميع الخيارات مفتوحة وحفظ دور «ضابط الإيقاع» والتوازنات بين مختلف المكونات اللبنانية.

 

• مخاوف الانزلاق إلى مساءلة حزب الله

 

التطورات الميدانية والسياسية المعقدة التي سبقت الجلسة فتحت الباب أمام سيناريو محفوف المخاطر. فالمعلومات الكواليسية تشير إلى قلق لدى كتل شيعية ونيابية حليفة من أن تتغيّر بوصلة الجلسة؛ فبدلاً من أن تكون منصة لمساءلة سلام وحكومته عن الأوضاع المعيشية والمالية، قد تتحوّل بفعل مداخلات نواب المعارضة والأكثرية إلى منصة اتهام ومساءلة مباشرة لحزب الله.

 

وكانت مواقف سابقة لنواب من حزب الله كتحذيرات النائب حسين الحاج حسن من استغلال ملفات النفط والتعليم والاقتصاد لتمرير جلسة محاسبة سياسية تعكس عمق هذا التوجس. هذا التقاطع يجعل الساعات التي تسبق رفع الجلسة بمثابة اختبار قياسي لقدرة رئاسة المجلس على منع تحول البرلمان إلى ميدان مواجهة مباشرة بين المكونات اللبنانية حول سلاح حزب الله.

 

• البُعد الإقليمي والحسابات السعودية.. الحدود والخطوط الحمر

 

مهما بلغت حدّة السجالات الداخلية، يظل الموقف الإقليمي، وتحديداً السعودي العنصر الحاسم في معادلة البقاء أو الإسقاط. وحتى الساعة، لا توجد أي معطيات موثوقة تسند الفرضية القائلة بأن الرياض تشجع على إسقاط سلام أو تسعى لإعادة أسماء مجربة إلى رئاسة الحكومة.

 

فأي تغيير حكومي جذرّي في لبنان يخضع لمعادلة تعادل إقليمية ودولية دقيقة، ولا يمكن إنتاجه عبر تفاهمات محلية بين حركة أمل وحزب الله أو بقرار من مجموعة كتل نيابية. فاسم رئيس الحكومة في لبنان ليس مجرد تفصيل داخلي، بل هو مركب مرتبط بـ:

 

– الصورة الخارجية وشبكة العلاقات العربية.

 

– مسار الإصلاحات المعتمدة مع صندوق النقد والجهات المانحة.

 

– ملف المؤسسة العسكرية وخطط دعم الجيش.

 

– مسار المفاوضات والالتزامات الدولية.

 

إن الاتجاه الغربي والعربي الفاعل يميل بوضوح في هذه المرحلة إلى أولوية الاستقرار المؤسساتي وتجنب الوقوع في فراغ تنفيذي جديد، خصوصاً في ظل الوضع الاشتعالي على الحدود الجنوبية. هذا الواقع يجعل أي محاولة للاستعجال بإسقاط الحكومة مغامرة غير محسوبة تفتقد للمظلة الخارجية.

 

• مسارات ما بعد الجلسة.. ثلاثة سيناريوهات لرسم الخريطة السياسية

 

لا يُقاس الوزن الحقيقي للجلسات البرلمانية بحجم السجالات تحت القبة، بل بالمسارات السياسية الناتجة عنها فور رفعها. ويتأرجح المشهد المرتقب بين احتمال تجديد الثقة الضمني عبر تنفيس الاحتقان واقتصار الجلسة على توصيات عامة تتيح لسلام المغادرة إلى نيويورك بموقف متماسك نسجياً تحت مظلة الاستقرار الدولي، وبين سيناريو خلط الأوراق عبر الذهاب نحو خطوة تصعيدية كتقديم طلب رسمي بسحب الثقة، في حال تبلور تكتل نيابي حاد وضغط إقليمي يحصر الحكومة في زاوية المواجهة المباشرة.

 

أما الخيار الأكثر ترجيحاً في كواليس المناورات اللبنانية، فيتمثل في استراتيجية الإنهاك الممتد؛ حيث تُبقى السلطة التنفيذية تحت تهديد الاستجوابات وتعطيل مشاريع القوانين في اللجان النيابية دون إسقاطها كلياً. ويهدف هذا المسار إلى الالتفاف على الضمانات الدولية عبر مقايضة استمرار الحكومة بتقديم تنازلات سياسية وأمنية في ملفات التعيينات الحسّاسة والترتيبات الحدودية في الجنوب.

 

• اليوم التالي لرفع الجلسة: الاختبار الحقيقي لمعادلة البقاء والإسقاط

 

سيبقى المعيار الحقيقي لنجاح خيار إسقاط سلام أو فشله متمثلاً في «اليوم التالي» لرفع الجلسة:

 

هل ستبدأ اتصالات نيابية جادة للبحث عن البديل؟ وهل ستتحرك القوى السنية والمظلة العربية لمنح الضوء الأخضر لهذا التغيير؟ أم أن الجلسة ستنتهي إلى مجرد إعادة ترسيم لقواعد اللعبة وتأكيد أن حصرية السلاح والخيارات السيادية ستظل العقدة والحل في مستقبل لبنان؟

 

الجواب لن تصنعه المداخلات النارية تحت قبة البرلمان فحسب، بل ستكشفه مدى صلابة الضمانات الدولية والتطورات الدبلوماسية والميدانية في الأيام التالية لرفع الجلسة.