Beirut weather 30 ° C
تاريخ النشر September 10, 2026
A A A
عندما تطرق واشنطن «الباب الشيعي» وتسمع الجواب

كتب طارق ترشيشي في “الجمهورية”:

لماذا الآن، ولماذا المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى تحديداً؟ في السياسة، المكان والتوقيت ليسا تفصيلاً. ولذلك، يصعب اعتبار زيارة السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى للمجلس الشيعي مجرد لقاء بروتوكولي، خصوصاً أنّه استمع من نائب رئيسه العلاّمة الشيخ علي الخطيب إلى انتقادات للسياسة الأميركية، ثم تحدث عن «مصلحة البيئة الشيعية» وعودة أهل الجنوب إلى قراهم، وأعلن استعداد واشنطن للتفاوض مع «حزب الله» عبر الدولة اللبنانية. فهذه ليست لغة حرب، لكنها ليست مصالحة أيضاً، بل تبدو أقرب إلى محاولة لإعادة ترتيب الخصومة، وفتح قناة مع بيئة لطالما نظرت إلى واشنطن في اعتبارها جزءاً من المشكلة.

ليس ما تغيّر هو الموقف الأميركي المعلن من «حزب الله»، فما زالت واشنطن تريد إنهاء السلاح خارج مؤسسات الدولة وتعزيز سلطة الجيش. لكن ما قد يتغيّر هو طريقة تحقيق هذا الهدف. فواشنطن تدرك أنّ «حزب الله» ليس مجرد تنظيم عسكري، بل حزب سياسي متجذّر في بيئة اجتماعية وشعبية واسعة، وأنّ استهداف هذه البيئة أو إشعارها بأنّها مستهدفة كطائفة، سيؤدي إلى مزيد من الالتفاف حول الحزب، لا إلى إضعافه.

 

من هنا يمكن فهم الرسالة الأميركية الجديدة: لسنا في مواجهة مع الشيعة، بل مع السلاح خارج الدولة. لكن هذه الرسالة تصطدم بأزمة ثقة عميقة. فالشيعي في الجنوب لا يقرأ السياسة الأميركية من بيانات واشنطن، بل من واقع الأرض: الغارات الإسرائيلية، الاحتلال أو التهديد، والدمار، والخوف من تكرار الحرب. ولذلك، فإنّ السؤال الذي سيحسم قدرة واشنطن على اختراق البيئة الشيعية، ليس ماذا تقول عن مصلحة الشيعة، بل ماذا تستطيع أن تفعل لحمايتهم.

 

فالبيئة الشيعية لا تطلب من أميركا أن تتبنّى «حزب الله»، لكنها تريد الأمن والضمانات وإعادة الإعمار وانسحاب إسرائيل ودولة قادرة على حماية الجنوب. وهنا تكمن العقدة: واشنطن تقول إنّ الدولة يجب أن تحتكر السلاح، بينما تسأل البيئة الشيعية: كيف نتخلّى عن السلاح قبل أن تصبح الدولة قادرة فعلاً على حمايتنا؟

بين هذين السؤالين يقع مستقبل لبنان. فإذا لم تفهم واشنطن هذه المعادلة، فقد تستطيع إضعاف «حزب الله» عسكرياً، لكنها ستفشل في إنهاء الحاجة إليه شعبياً. أما إذا استطاعت بناء بيئة أمنية تجعل السلاح أقل ضرورة، فستكون قد بدأت بتغيير المعادلة من جذورها. وهنا تصبح إسرائيل الاختبار الحقيقي للسياسة الأميركية. فكل غارة جديدة على الجنوب، وكل بقاء إسرائيلي في موقع لبناني، وكل عجز عن ضمان أمن الحدود، يعيد إنتاج الحجة التي قام عليها «حزب الله» تاريخياً: ما دام التهديد والاحتلال قائمين، فالسلاح ضرورة. لذلك لا تستطيع واشنطن أن تطلب من لبنان أن يصبح دولة من دون أن تستخدم نفوذها لجعل إسرائيل تتعامل مع لبنان كدولة.

من هنا قد تكون التسوية المقبلة أكبر من مجرد نزع سلاح. قد تقوم على انسحاب إسرائيلي، وضمانات للجنوب، ووقف دائم لإطلاق النار، وإعادة إعمار، ودعم الجيش، وترتيبات حدودية، وحوار حول مستقبل سلاح «حزب الله» ودوره. عندها يصبح ممكناً إنهاء وظيفة السلاح لا بالقوة، بل بإزالة الأسباب التي تجعل وجوده ضرورياً في نظر جمهوره. وهذا يضع «حزب الله» أمام أصعب قرار في تاريخه. فالتخلّي عن السلاح ليس قراراً تقنياً، بل مسألة تمسّ جوهر هويته. لكنه قد يواجه في النهاية خياراً بين التمسك بدوره العسكري كاملاً، وبين إعادة تعريف نفسه كقوة سياسية كبيرة داخل الدولة. فإذا حصل على ضمانات حقيقية للجنوب والبيئة الشيعية، وعلى انسحاب إسرائيلي وإعادة إعمار ودور سياسي واضح، فقد يصبح الانتقال من «حزب مقاومة» إلى «حزب دولة» ممكناً. عندها لا يكون المطلوب إلغاء «حزب الله»، بل تغيير دوره.

 

وهنا يظهر الفارق الحاسم بين أن تريد واشنطن القضاء على «حزب الله»، وأن تريد إنهاء قدرته العسكرية المستقلة. الأول يقود إلى نزاع مفتوح، أما الثاني فيفتح باب التسوية. لكن أي تسوية ستبقى ناقصة من دون العامل الإيراني. فـ«حزب الله» متجذّر في لبنان، لكنه جزء أيضاً من محور إقليمي أوسع، وأي إعادة تعريف لدوره ستحتاج، مباشرة أو مداورة، إلى تفاهمات مع طهران. فإذا رأت إيران أنّ انتقال الحزب تدريجاً إلى دور سياسي يحفظ وجوده ونفوذه، فقد تصبح التسوية ممكنة، أما إذا اعتبرت أنّ المطلوب هو إزالة أهم أوراقها في لبنان، فستزداد صعوبة الانتقال.

 

لذلك، فإنّ زيارة السفير الأميركي للمجلس الشيعي قد تكون بداية مسار جديد، ليس لأنّ واشنطن أصبحت «صديقة» لـ«حزب الله» أو للشيعة، بل لأنّها بدأت تدرك أنّ الطريق إلى تغيير المعادلة اللبنانية يمرّ عبر البيئة الشيعية وليس فوقها. وقد تكون الرسالة التي حملها السفير هي: «نريد التحدث معكم لا ضدّكم». لكن الرسالة التي ينبغي أن تكون واشنطن قد سمعتها هي: «لا تطلبوا منا أن نثق بكم قبل أن نرى ماذا ستفعلون بإسرائيل».

 

الأشهر المقبلة ستكون اختباراً لهذه المعادلة. إذا شهد الجنوب تثبيتاً حقيقياً للتهدئة، وانسحاباً إسرائيلياً، وعودة للأهالي، وإعماراً جدّياً، وتعزيزاً للجيش، فقد تبدأ عملية إعادة تعريف العلاقة بين الدولة و«حزب الله». أما إذا استمرت الضغوط على الحزب بالتوازي مع استمرار الضربات الإسرائيلية، فقد تعود البيئة الشيعية إلى الاحتماء بالحزب، وتتحول السياسة الأميركية من عامل ضغط عليه إلى عامل يعيد توحيد جمهوره حوله.

 

لهذا، فإنّ المعركة الحقيقية ليست على السلاح وحده. إنّها على السؤال الذي تحمله كل هذه الملفات: من يحمي الشيعة والجنوب؟ فإذا أصبحت الدولة هي الضامن، يصبح السلاح قابلاً للتفاوض. وإذا بقيت الدولة عاجزة وإسرائيل قادرة على شن الحرب، سيبقى السلاح بالنسبة إلى البيئة الشيعية قضية وجود لا مجرد قضية سياسية.

ومن هنا، قد يكون المعنى الأعمق لزيارة عيسى للمجلس الشيعي، أنّ واشنطن بدأت تتحدث إلى الشيعة، بعدما أمضت سنوات طويلة تتحدث عن «حزب الله». وإذا نجحت في تحويل هذا الحوار إلى ضمانات وأفعال، فقد يبدأ لبنان بالانتقال من معادلة «المقاومة مقابل إسرائيل» إلى معادلة «الدولة التي تحمي الجميع». أما إذا بقيت الزيارة مجرد كلام، فإنّها لن تكون سوى محطة أخرى في نزاع طويل.

 

فالمطلوب في النهاية ليس إسقاط «حزب الله» بمقدار ما هو إسقاط الأسباب التي تجعل وجوده العسكري ضرورياً في نظر جمهوره. وإذا نجحت واشنطن في ذلك، فلن تكون قد غيّرت مستقبل «حزب الله» فقط، بل تكون قد فتحت الباب أمام إعادة تأسيس لبنان.