Beirut weather 30 ° C
تاريخ النشر September 9, 2026
A A A
المناهج الجديدة لمادة التاريخ: روايات طائفية تتنافس في غياب رواية وطنية جامعة
الكاتب: فاتن الحاج

كتبت فاتن الحاج في الأخبار

 

ليس السؤال في المناهج الجديدة للتعليم ما قبل الجامعي ما إذا كانت مادة التاريخ قد أُلغيت أو أُبقي عليها، كما يوحي جزء من النقاش الدائر حول المشروع. السؤال هو كيف سيُدرَّس التاريخ في المنهج الجديد، وما حجم حضوره فيه؟ ففي بلد مثل لبنان، حيث لا تزال محطات كثيرة من تاريخه الحديث موضع انقسام، يتجاوز النقاش طريقة تنظيم المادة إلى أسئلة تتصل بالذاكرة والهوية وكيفية تقديم التاريخ للأجيال الجديدة.

 

التاريخ يتغير

المشروع الجديد لا يقدم التاريخ بالطريقة التي اعتادها الطلاب في المناهج السابقة، حيث غلب التلقين وحفظ الشخصيات والتواريخ والأحداث، بل ينطلق من تعليم يجمع بين المعرفة التاريخية ومهارات التفكير فيها، وقراءة الحدث في سياقه وفهم علاقته بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية والجغرافية. ومن هنا تعتمد المقاربة ما يسميه القائمون عليها «المناظير المتعددة»، أي تقديم الأحداث والروايات من أكثر من زاوية. لكن هذا التحول يفتح أسئلة لا تبدو محسومة: كيف يمكن تقديم التاريخ من منظورات متعددة من دون أن يتفكك معه الحد الأدنى من الذاكرة المشتركة؟ وكيف يحافظ الطالب، في مقاربة أكثر تكاملاً مع العلوم الإنسانية والاجتماعية، على معرفة متماسكة بأحداث التاريخ وتسلسلها وسياقاتها؟

 

بالنسبة إلى الخبير في مادة التاريخ في المركز التربوي للبحوث والإنماء، حسام محي الدين، لا تقوم المقاربة الجديدة على إلغاء التاريخ أو دمجه بالعلوم الإنسانية والاجتماعية، بل على إبقائه «رأس الشجرة» التي تتصل بها حقول معرفية أخرى.

 

فالتاريخ، كما يشرح، لم يعد تاريخ الملوك والأبطال والحوادث الكبرى، وإنما تاريخ كل الناس والتحولات الاجتماعية والاقتصادية والجغرافية التي أسهمت في تشكيل المجتمعات والدولة. لذلك، «لا تختفي المعرفة التاريخية لحساب كفايات التفكير والتحليل والنقاش، بل تترافق معها، انطلاقاً من هدف حدده الإطار الوطني للمناهج ببناء متعلّم معتزّ بانتمائه إلى وطنه، باعتباره جزءاً من العالم العربي ومنفتحاً على العالم، وقادراً على الدفاع عن وطنه في وجه أي اعتداء، وقادراً في الوقت نفسه على التفكير في تاريخه».

هذه المقاربة تجد دعماً لدى رئيسة الهيئة اللبنانية للتاريخ، ليلى زهوي، التي شاركت في إعداد المناهج ضمن فريق ضم «مؤرخين مخضرمين وتربويين وأساتذة جامعيين ومعلمي المادة في مراحل التعليم ما قبل الجامعي».

 

ترفض زهوي توصيف ما حصل بأنه «دمج» للتاريخ، مفضلة الحديث عن التكامل بين المواد. فـ«دراسة حضارة أو مجتمع لا يمكن أن تنفصل عن جغرافيته واقتصاده ولغته وبنيته الاجتماعية، لكن ذلك لا يعني إلغاء المادة التاريخية أو التخلي عن مفهوم الزمن والتسلسل التاريخي».

 

لكن هذا التفسير لا يلغي الهواجس المطروحة. فأستاذة العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية، لور أبي خليل، ترى أن خصوصية الحالة اللبنانية تجعل استقلالية مادة التاريخ مسألة تتجاوز طريقة تنظيمها في المنهج. ففي بلد شهد حروباً وانقسامات وصراعات متتالية لا سيما مع العدو الصهيوني، يرتبط التاريخ ببناء الدولة والهوية والذاكرة الجماعية. ومن هنا، تخشى أبي خليل أن يؤدي توزيع المعرفة التاريخية بين موضوعات وحقول مختلفة إلى إضعاف التسلسل الذي يساعد الطالب على فهم كيفية تشكل الدولة والمجتمع، وكيف ارتبطت الأحداث ببعضها البعض.

 

حين يصبح التاريخ «مناظير متعددة» ماذا يبقى من الذاكرة؟

 

 

لا يختلف المتحدثون الثلاثة على أن تعليم التاريخ لا يمكن أن يبقى قائماً على الحفظ وحده، لكنهم يختلفون في كيفية الوصول إلى التفكير النقدي. فمحي الدين يستشهد بمقولة مفادها أن تدريس التاريخ هو «إدخال العقل إلى الذاكرة»، في إشارة إلى أن امتلاك المعرفة التاريخية ينبغي أن يترافق مع القدرة على فحصها ومقارنة الروايات والبحث في الأدلة. أما أبي خليل، فتحذر من أن يتحول التركيز على التفكير النقدي إلى فصل الحدث عن سياقه التاريخي، مؤكدة أن الطالب يستطيع أن يفكر ويناقش، لكن انطلاقاً من معرفة تاريخية متماسكة.

 

هوية مشتركة

في المقابل، يؤكد محي الدين أن الهوية والانتماء حاضران في المنهج عبر مراحل التعليم، وأن العمل انطلق من مفهوم «المشترك التاريخي» الذي يجمع اللبنانيين. ويشير إلى أن المنهج يتناول محطات أساسية في تاريخ لبنان والمنطقة، من الحكم العثماني ودولة لبنان الكبير إلى الحروب العربية – الإسرائيلية والقضية الفلسطينية، إلى جانب موضوعات كانت مهمشة أو مسكوتاً عنها في المناهج السابقة. كما يؤكد أن التاريخ الجديد لم يعد تاريخ منطقة واحدة، كجبل لبنان، أو جماعة بعينها، بل تاريخ لبنان بكل مناطقه ومكوناته.

 

وهذه النقطة تفتح سؤالاً آخر: أي هوية وطنية يريد المنهج أن يبني؟ فالانتقال إلى عرض التاريخ من «مناظير» متعددة قد يكون محاولة لتجاوز السرديات المتنافسة، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالاً عن الحدود التي تفصل بين تعدد الروايات وبين وجود أرضية تاريخية مشتركة. فزهوي ترى في عرض الروايات الموثقة من زوايا مختلفة فرصة لتخفيف حدة الانقسام، فيما تخشى أبي خليل أن يؤدي غياب رواية وطنية جامعة إلى ترك الطالب أمام روايات طائفية متنافسة.

 

ويظهر هذا الاختبار بأوضح صوره عند الحديث عن الحرب اللبنانية. فالمقاربة الجديدة، بحسب محي الدين، لا تفترض بالضرورة الوصول إلى موقف موحد من كل تفاصيل الحرب، «وخصوصاً إذا كنا مقتنعين بأن الصفحة طُويت مع إبرام اتفاق الطائف»، وإنما تتيح للطالب التعرف إلى وجهات النظر المختلفة والموثقة ضمن مظلة وطنية. لكن، هنا، تبرز مسألة تتجاوز تقنية «المناظير المتعددة»: هل يكفي عرض الروايات المختلفة لبناء ذاكرة وطنية مشتركة؟ أم أن هناك وقائع ومعارف تاريخية أساسية ينبغي أن تشكل أرضية مشتركة، حتى لو اختلفت القراءات السياسية والاجتماعية لها؟

 

اختبار فلسطين

القضية الفلسطينية تضع السؤال نفسه أمام اختبار أكثر حساسية. فالقائمون على المشروع يؤكدون أن القضية الفلسطينية والصراع العربي – الإسرائيلي والوجود الفلسطيني في لبنان كلها حاضرة في المنهج، وأن المحطات المرتبطة بها لم تُستبعد من التاريخ الجديد. لكن بالنسبة إلى أبي خليل، لا تكمن المسألة في حضور فلسطين كعنوان، بل في كيفية تقديم القضية وموقعها داخل التسلسل التاريخي. وهنا يكمن هاجسها: أن يؤدي تغيير المفاهيم أو إدراج الصراع ضمن مقاربات عامة إلى إضعاف المعرفة التاريخية بالاحتلال والقضية الفلسطينية، وتحويل قضية ذات سياق تاريخي وسياسي واضح إلى مجرد نزاع بين طرفين، «فالعدو يسعى إلى إلغاء مفهوم الصراع وإحلال مفهوم التفاهمات والخيارات الدبلوماسية مكانه، تمهيداً للتطبيع».

 

وهنا يبرز سؤال أكثر دقة: هل يستطيع منهج يقوم على «المناظير المتعددة» أن يحافظ في الوقت نفسه على دقة المفاهيم والوقائع التاريخية؟ فالتفكير النقدي لا يعني وضع الروايات الموثقة وغير الموثقة في مستوى واحد، وفي قضية مثل فلسطين، تصبح طريقة اختيار المفاهيم والمصادر وترتيب الأحداث جزءاً أساسياً من طريقة حضورها في المنهج.

 

منهج قيد الاختبار

ولا يتوقف النقاش عند مضمون المناهج، فالمشروع ينتقل الآن من مرحلة الإعداد إلى التأليف والتطبيق، وهنا تظهر أسئلة عملية لا تقل أهمية عن المقاربة نفسها. وبحسب زهوي، أُبلغ المشاركون بأن تأليف كتابي التاريخ والتربية سيكون في المركز التربوي، ولن يُسند إلى دور النشر والشركات الخاصة كما هي الحال في مواد أخرى. فيما يؤكد محي الدين وجود مرحلة تجريبية تتيح تقييم المنهج وتعديله والاستفادة من الملاحظات قبل اعتماده بصورة نهائية. وهذا يعني أن نجاح المقاربة لن يتحدد بما كُتب في المنهج فقط، بل أيضاً بكيفية تحويله إلى كتب مدرسية، وبقدرة المعلم على تطبيقه داخل الصف.

 

فالانتقال من حفظ التاريخ إلى التفكير فيه لا يحتاج إلى تغيير عناوين الدروس فقط، بل إلى معلم قادر على إدارة الروايات المختلفة، وربط الحدث بسياقه، وتمييز الوثيقة من التفسير. وفي زمن تتدفق فيه المعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، تصبح هذه المهارات أكثر إلحاحاً، من دون أن تلغي الحاجة إلى قاعدة معرفية تاريخية متماسكة.

وهنا سيكون الاختبار الحقيقي للمناهج الجديدة: أن يخرج الطالب وهو يعرف تاريخ بلده وقادر في الوقت نفسه على مساءلة الروايات التي قُدّمت له، من دون أن يفقد الخيط الذي يصل بين أحداث هذا التاريخ وذاكرته الجماعية. فهل تستطيع هذه المناهج أن «تُدخل العقل إلى الذاكرة» من دون أن تُفرغ الذاكرة من مضمونها؟