Beirut weather 33 ° C
تاريخ النشر September 8, 2026
A A A
روما مجمدة.. والجنوب بين نار الميدان وحسابات التفاوض!
الكاتب: صبحية دريعي

كتبت صبحية دريعي في “سفير الشمال”:

في الجنوب، لم تعد الغاراتُ مجرد رسائل عسكرية، ولا المفاوضات مجرد مسارٍ دبلوماسي ينتظر موعداً جديداً، بل سباقٌ واضح: مَن يرسم المرحلة المقبلة أولاً؟ الطاولة أم الميدان؟ ففيما تتمسك بيروت بخيار التفاوض، ترفع إسرائيل منسوب النار، وكأنها تريد الوصول إلى الجولة المقبلة بأوراق جديدة فرضتها على الأرض.

من النبطية وكفررمان إلى محيط الشقيف، اتّسعت رقعة الاستهدافات الإسرائيلية خلال الأيام الأخيرة، وارتفعت معها الحصيلة البشرية، في واحدة من أعنف موجات التصعيد منذ وقف إطلاق النار.

لكن المشهد لا يبدو مجرد استهدافات عسكرية متفرقة. فإسرائيل، وفق هذه القراءة، لم تعد تتحرك ضمن بنك أهداف محدد، بل تتعامل مع الجنوب كساحة مفتوحة للنار والدمار، في محاولة لإحراق وتدمير أكبر مساحة ممكنة، وترك صورة قاسية في ذاكرة الجنوبيين: لا بلدة بعيدة عن الاستهداف ولا منزل بمنأى عن الغارات ولا عودة إلى الحياة الطبيعية من دون ثمن، فالمعركة هنا لا تستهدف الحجر فقط بل تسعى أيضاً إلى فرض واقع نفسي جديد على أبناء الجنوب عنوانه أن كلفة المواجهة يمكن أن تطال الأرض والناس معاً.

أما سياسياً ففي بعبدا، قرأ رئيس الجمهورية جوزاف عون في الغارات محاولةً لضرب المسار السياسي نفسه، معلناً أن ما تقوم به إسرائيل يستهدف اتفاق الإطار ويقوّض الجهود المبذولة لوقف التصعيد، مع تأكيده في المقابل أن لبنان لن يتراجع عن الخيار الدبلوماسي.

وهنا تحديداً تبدأ المعركة الثانية: معركة التفاوض.

ففي الوقت الذي تنهمك فيه بيروت بإعداد ملفاتها، يتحرك السفير الأميركي ميشال عيسى بين لبنان وإسرائيل، محاولاً منع المسار من السقوط في الجمود. والانطباع الذي ينقله السفير يشير إلى أن الاتصالات قطعت شوطاً أكبر مما كان عليه الوضع سابقاً، وأن إمكان تحقيق تقدم لا يزال قائماً، إلا أن المشكلة اليوم تكمن في توقيت هذا التقدم.

وتربط مصادر سياسية جانباً من السلوك الإسرائيلي بالحسابات الانتخابية الداخلية، وترى أن التصعيد الميداني قد لا يتوقف سريعاً، بل قد يتدرج صعوداً كلما اقتربت إسرائيل أكثر من استحقاقاتها السياسية.

أما روما، فلا تزال مجمّدة، فالجولة المقبلة من المفاوضات لم تحصل بعد على موعد نهائي، فيما تشير المعطيات إلى أن عقدها قد يأتي بعد محطة مؤتمر دعم الجيش اللبناني في باريس، ما يضع لبنان أمام مرحلة فاصلة: الميدان مفتوح على التطورات، فيما الدبلوماسية تعمل على منع انهيار المسار.

وبذلك تصبح المعادلة أكثر تعقيداً: لبنان يريد أن يصل إلى روما بورقة الاتفاق، وإسرائيل تحاول أن تصل إليها بوقائع الميدان، وبين الاثنين يتحرك الأميركي لمنع انقطاع الخيط.

فهل يكون التصعيد الحالي مجرد ضغط يسبق العودة إلى الطاولة؟ أم أن إسرائيل ترسم بالنار سقفاً تفاوضياً جديداً، وتحاول أن تدخل الجولة المقبلة بوقائع جنوبية جديدة يصعب تغييرها على طاولة المفاوضات؟