Beirut weather 29 ° C
تاريخ النشر September 5, 2026
A A A
علي الطاهر… أول اختبار للتسوية الأميركية مع الثنائي الشيعي؟

كتبت منال زعيتر:

لم يكن اعلان العدو الاسرائيلي ما سماه «السيطرة العملياتية» على منشآت في علي الطاهر، مجرد تطور عسكري، بل جزءا من اتصالات اميركية اوسع مع الثنائي الشيعي لفتح الطريق امام تسوية شاملة في لبنان، بحيث اكدت مصادر مطلعة رفيعة المستوى لـ«اللواء» ان ما جرى في علي الطاهر شكل اول اختبار ميداني لها، وفي هذا السياق، وضعت المصادر زيارة السفير الاميركي في لبنان ميشال عيسى الى الكيان الغاصب ولقاءه رئيس حكومته بنيامين نتنياهو، بالتزامن مع الاعلان الاسرائيلي عن السيطرة على التلة والافراج عن الاسرى، ضمن هذا المسار.

وفي التفاصيل كما ترويها المصادر، فان التفاهم الاولي لحظ السماح للعدو بتقديم انجاز ميداني «شكلي» في علي الطاهر، مقابل توقفه عند هذه الحدود وعدم انتقاله الى عملية اوسع باتجاه اقليم التفاح والريحان ونقاط اخرى، بالتزامن مع استكمال التفاوض الاميركي مع الثنائي حول انسحاب العدو الشامل من لبنان، مقابل تنفيذ خطة واضحة لحل سلاح حزب الله في جنوب الليطاني تحديدا.

ومن هذه الزاوية، تكون واشنطن قد فتحت عملياً قناة تفاوض مع حزب الله رغم استمرار الطرفين بالنفي، اذ ان ترتيب تسوية بهذا الحجم لا يجري بمعزل عن التنسيق مع الحزب.

لكن اللافت ان الحزب، بدلا من الدخول في سجال مباشر حول ما اذا كان العدو قد سيطر على علي الطاهر ام لا، اختار ابقاء الباب مفتوحا امام اكثر من قراءة، وهو ما ينسجم مع سياسة «الغموض البنَّاء» التي يعتمدها منذ اشهر.

فمنذ نحو ثلاثة اشهر، لم تصدر المقاومة اي بيانات تتعلق بالمواجهات مع العدو، رغم ما دأب الاخير على اعلانه عن وقوع اصابات في صفوفه، واستهدافات كان يتخذها ذريعة لتوسيع اعتداءاته في مناطق مختلفة من الجنوب، ولذلك، فان غياب الرواية المقابلة لا يعني، وفق مقاربة الحزب، التسليم بالرواية الاسرائيلية، بل قد يكون جزءا من سياسة مقصودة تترك للعدو مهمة اثبات ما يدعيه.

لكن الغموض لا يعني، في المقابل، ترك الرواية الاسرائيلية من دون تفكيك، اذ ان الحزب معني بالتشكيك بهذه الرواية ، ويبدا من العبارة التي اختارها العدو نفسه لوصف ما جرى، اي «السيطرة العملياتية»، واضعا حدودا واضحة لما يمكن ان تعنيه، فهذه العبارة، لا تعني بالضرورة سيطرة ميدانية شاملة وكاملة ودائمة على تلة علي الطاهر، ولا سيما ان البيان الاسرائيلي نفسه يقول ان العمل على تحييد البنية التحتية تحت الارض لا يزال مستمرا، وان الجيش سيعيد الانتشار دفاعيا بعد انتهاء هذا النشاط.

وهنا تبرز المفارقة في الرواية الاسرائيلية: اذا كانت المهمة لم تنته بعد، واذا كان الجيش سيعيد الانتشار في مرتفعات علي الطاهر وفقا للوضع، فهل نحن امام سيطرة دائمة على الموقع، ام امام عملية عسكرية محددة يمكن أن تشمل تدمير اجزاء او اطراف معينة من الموقع ثم الانسحاب او اعادة الانتشار، وليس بالضرورة بقاء ميدانيا وقدرة على الحفاظ على التلة بصورة مستمرة؟

ويعزز ذلك ما ورد على لسان الجيش الاسرائيلي نفسه عندما قال: «سنعيد الانتشار في مرتفعات علي الطاهر وفقا للوضع»، وهذه العبارة تفتح المجال للتساؤل حول طبيعة الوجود الاسرائيلي في الموقع، ومدى قدرته على البقاء فيه والمحافظة عليه، خصوصا ان الحديث عن اعادة الانتشار ياتي بعد الاعلان عن السيطرة عليه.

ويذهب التفكيك ابعد من ذلك، الى الفصل بين ما يقول العدو انه استهدفه وما يقول انه سيطر عليه، فاستهداف «فتحات الانفاق في مرتفعات علي الطاهر» لا يعني تلقائيا السيطرة على المنشاة، فاستهداف فتحات الانفاق شيء، والسيطرة على المنشأة او الموقع شيء آخر، ولا ينبغي الخلط بين الامرين، حتى في حال الحديث عن مسارين للانفاق، ينبغي الفصل بين الانفاق والمنشاة: فوجود انفاق أو استهداف فتحاتها لا يثبت بحد ذاته السيطرة على المنشأة أو السيطرة الميدانية الكاملة على التلة.

اما وصف الموقع بانه منشاة كبيرة ومهمة واستراتيجية، فهو توصيف اسرائيلي بالدرجة الاولى، اذ ان المقاومة لم تقدم اصلا رواية عن طبيعة هذه المنشأة او مواصفاتها.

حتى التفصيل الذي اورده العدو عن عدم وجود ايرانيين داخل المنشأة لا يمر من دون علامة استفهام: على اي اساس امكنه الجزم بذلك؟ وهل امتلك فعلا معطيات كاملة عن الموجودين داخلها؟ بالنسبة الى الحزب، يبقى هذا الكلام جزءا من رواية اسرائيلية تحاول اظهار انها توصلت الى انجاز ذي اهمية استثنائية.

ولا يقف التفكيك عند توصيف المنشأة او ما جرى داخلها، اذ ينبغي التوقف ايضا عند مسالة توصيف علي الطاهر باعتبارها «منشأة» واحدة، في حين ان هناك معطيات تشير الى وجود عدد من المنشات في الموقع، وكان العدو الاسرائيلي قد اعلن في وقت سابق استهداف احدى المنشآت المرتبطة بعلي الطاهر، وبالتالي يطرح ذلك سؤالا حول ما اذا كان الاسرائيلي يعيد السيناريو نفسه، ولا سيما انه يتحدث الان عن «سيطرة عملياتية» من دون تقديم وقائع جازمة وحاسمة تثبت طبيعة هذه السيطرة ونطاقها.

كما ان التوقيت السياسي للاعلان الاسرائيلي يستحق التوقف عنده ايضا، ففي اليوم نفسه الذي جرى فيه الاعلان عن الافراج عن الاسرى، صدر ليلا اعلان اسرائيلي عن هذه الخطوة العسكرية، بما يطرح تساؤلا حول توظيف نتنياهو مجموعة من الخطوات والعناوين لتحسين وضعه السياسي والانتخابي، ومن هذا المنطلق، يمكن فهم اعطاء منشاة علي الطاهر اهمية قصوى في الخطاب الاسرائيلي وتوظيفها ضمن هذا السياق.

وفي خلفية كل ذلك، ثمة تفصيل لا يقل اهمية، فعلي الطاهر ليست موقعا ظهر فجأه في المشهد، بل تتعرض منذ ثلاث سنوات لقصف واستهداف متواصل، فيما لم يبدأ العدو طرح مسألة السيطرة عليها بهذا الشكل الا بعد اتفاق الاطار الذي وقعته السلطة اللبنانية معه، والذي اعطاه، بحسب قراءة الحزب، هامش حركة وذريعة لمواصلة التفجيرات ونسف المنازل.تابع الأخبار السياسية

وهنا تحديدا يرسم الحزب حدود تعاطيه مع الملف: تلة علي الطاهر، تقع خارج منطقة جنوب الليطاني وترتيبات القرار 1701، وبالتالي فانها لا تدخل في اطار الترتيبات المرتبطة بالسلاح جنوب الليطاني، بل تخضع لفكرة الحوار الداخلي واستراتيجية الامن الوطني، ولذلك لم تكن المقاومة، بحسب هذا الموقف، معنية بالاستجابة للطلب الاميركي بتسليمها للجيش، خصوصا ان الجيش نفسه لم يطالبها بذلك.

اما محاولة وضعها في خانة المواقع التي يفترض ان تتسلمها الدولة، فهنا يكشف الحزب ان الجيش اللبناني، رفض تسلم التلة، لانه لا يمكنه استلام موقع لا يستطيع الدفاع عنه، ولا توجد ضمانة اميركية او اسرائيلية تمنع العدو من العودة الى المنشاة بعد تسليمها اليه.