Beirut weather 31 ° C
تاريخ النشر September 3, 2026
A A A
من نقد المنهجية المسيحية إلى طرح البديل: هل بدأ زمن الدولة؟
الكاتب: المحامي طنوس فرنجيه - موقع المرده

 

 

قد يكون الأهم في الكلام الأخير للنائب طوني فرنجية أنه لم يفتح معركة جديدة بين الأحزاب المسيحية، بل فتح باباً طال إقفاله: باب النقد المسيحي للمنهجية السياسية التي حكمت الحياة المسيحية اللبنانية في العقود الأخيرة.

 

حين يقول إن المنهجية الحزبية التي سادت الساحة المسيحية منذ عشرات السنين أدّت إلى الفشل، وإنها لم تعد تعبّر عن تطلعات الجيل الجديد، فهو لا يوجّه سهامه إلى حزب بعينه، ولا يدخل في مباراة من هو الأكثر تمثيلاً أو الأكثر مسيحية. بل يضع المسألة في مستوى أعمق: ماذا أنتجت هذه المنهجية، وماذا كان يمكن أن تنتج؟

 

وهنا تكمن أهمية الكلام.

 

فالسياسة المسيحية، عندما تتحول إلى منافسة دائمة على من يمتلك حق تمثيل المسيحيين، تتحول تدريجياً من مشروع لبناء الدولة إلى مشروع لإدارة الجماعة داخل دولة مأزومة.

 

وتصبح الأولوية لمن يحمي، ومن يواجه، ومن ينتصر على الآخر، فيما يتراجع السؤال الأهم:

 

أي دولة نريد؟

 

من هذه الزاوية، لا يبدو النقد الذي يطرحه النائب طوني فرنجية قطيعة مع تاريخ سياسي سابق، بل يمكن قراءته كامتداد لسؤال لبناني قديم حاول بعض السياسيين المسيحيين أن يطرحوه في لحظات مفصلية: كيف يمكن تحويل القلق على الوجود المسيحي من حالة دفاع دائم إلى مشروع سياسي لبناء الدولة؟

 

ولعل المفارقة أن هذا السؤال لم يكن غائباً عن تجربة الرئيس سليمان فرنجية نفسه.

 

ففي خضم الحرب اللبنانية، وفي 14 شباط 1976، طُرحت «الوثيقة الدستورية» التي تضمنت مجموعة من الإصلاحات السياسية والدستورية، في محاولة لمعالجة الأزمة اللبنانية من خلال إعادة تنظيم قواعد النظام والشراكة، لا الاكتفاء بإدارة الصراع القائم. 

 

لا يعني ذلك أن الزمن واحد، ولا أن ظروف 1976 تشبه ظروف لبنان اليوم، ولا أن المطلوب استنساخ وثيقة أو تجربة.

 

المغزى في مكان آخر.

 

المغزى أن النقد، في تلك المرحلة أيضاً، لم يكن غايته الانكفاء إلى الداخل المسيحي، بل البحث عن صيغة أكثر قدرة على إنتاج الدولة والشراكة.

 

وهنا تصبح المقارنة أكثر دلالة.

 

في الأمس كان السؤال كيف يمكن إصلاح قواعد النظام اللبناني في ظل أزمة تهدد الكيان والدولة.

 

واليوم، وبعد عقود من التجارب والانقسامات والتسويات والحروب، يعود السؤال بصيغة مختلفة:

 

هل تستطيع المنهجية الحزبية المسيحية القائمة أن تنتج دولة؟

 

إذا كانت الإجابة، كما يقول فرنجية، هي أن هذه المنهجية وصلت إلى الفشل، فإن الخطوة الطبيعية التالية ليست إطلاق حزب جديد، ولا إعادة توزيع التحالفات، ولا استبدال خطاب بآخر.

 

الخطوة التالية هي طرح البديل.

 

وهنا تحديداً يبدأ الامتحان الحقيقي.

 

فالمسيحيون لا يحتاجون إلى من يقنعهم بأن غيرهم أخطأ، بقدر ما يحتاجون إلى من يقنعهم بأن هناك طريقاً سياسياً مختلفاً.

 

طريقاً ينتقل من هاجس حماية الحقوق إلى بناء المؤسسات التي تحمي الحقوق.

 

ومن التنافس على التمثيل إلى التنافس على المشروع.

 

ومن استحضار الخوف من الآخر إلى بناء دولة لا يخاف فيها أحد من الآخر.

 

ومن السؤال: «من يمثل المسيحيين؟» إلى السؤال الأكثر وطنية وواقعية:

 

«ماذا يريد المسيحيون أن يكون لبنان؟»

 

هذه النقلة ليست تفصيلاً في الخطاب السياسي، بل هي تغيير في معنى الدور المسيحي نفسه.

 

فالمسيحي الذي يختصر دوره بحماية حصته داخل النظام يبقى أسير النظام، أما المسيحي الذي يشارك في صياغة مشروع الدولة فيتحول من متلقٍّ لقواعد اللعبة إلى شريك في وضعها.

 

ومن هنا يمكن فهم أهمية توقيت فتح هذا النقاش.

 

فالجيل الجديد لم يعد معنياً بالمعارك السياسية التي نشأت من ذاكرة الحرب بقدر ما هو معني بمستقبله داخل دولة مستقرة، واقتصاد منتج، ومؤسسات فاعلة، وسيادة واضحة، وعلاقات متوازنة مع المحيط.

 

وهذا تحديداً ما يجعل نقد المنهجية الحزبية أكثر من مجرد مراجعة للماضي.

 

إنه دعوة إلى مراجعة وظيفة السياسة المسيحية نفسها.

 

لقد أثبتت السنوات الماضية أن الفوز الانتخابي لا يعني بالضرورة نجاحاً سياسياً، وأن ارتفاع منسوب الخطاب الطائفي لا يعني بالضرورة ارتفاع منسوب الحضور المسيحي، وأن امتلاك القدرة على مواجهة الخصوم لا يعني امتلاك القدرة على بناء الدولة.

 

لذلك، فإن قيمة ما طرحه النائب طوني فرنجية لن تُقاس بمدى نجاحه في انتقاد الآخرين.

 

ستُقاس بقدرته، ومعه جيله، على الإجابة عن السؤال الأصعب:

 

إذا انتهت المنهجية التي فشلت، فما هي المنهجية التي ستأتي بعدها؟

 

وهنا ربما تكمن المفارقة الأهم.

 

فكما أن الوثيقة الدستورية التي طرحها الرئيس سليمان فرنجية في لحظة تاريخية شديدة التعقيد حاولت أن تنقل النقاش من الحرب إلى إصلاح قواعد الدولة، فإن التحدي أمام الجيل الجديد هو أن ينقل النقاش من أزمة التمثيل المسيحي إلى مشروع الدولة اللبنانية.

 

ليس المطلوب أن يعيد التاريخ نفسه.

 

بل المطلوب أن نتعلم منه.

 

وليس المطلوب أن يرث الجيل الجديد مواقف الأسلاف.

 

بل أن يرث منهم جرأة طرح الأسئلة الكبرى.

 

واليوم، بعد كل ما مرّ به لبنان، قد يكون السؤال المسيحي الأكثر جرأة ليس:

 

كيف نستعيد ما خسرناه؟

 

بل:

 

كيف نبني دولة لا يعود فيها أحد مضطراً إلى الخوف على ما يملك أو الدفاع عما هو له؟

 

عندها فقط يصبح نقد المنهجية الحزبية بدايةً حقيقية، لا مجرد خطاب سياسي.

 

وعندها يصبح الحديث عن «البديل» أكثر من شعار انتخابي.

 

يصبح مشروعاً لإعادة تعريف الدور المسيحي في لبنان: من حماية الجماعة إلى بناء الدولة، ومن إدارة الخوف إلى صناعة المستقبل.