Beirut weather 31 ° C
تاريخ النشر September 3, 2026
A A A
إسرائيل تريد إنجازًا بعيدا عن المفاوضات.. ماذا أراد عيسى من نتنياهو؟..
الكاتب: غسان ريفي

كتب غسان ريفي في سفير الشمال 

دخل شهر أيلول، فيما لم يُحدَّد حتى الآن أي موعد للجلسة الثامنة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، في مؤشر جديد إلى أن هذا المسار بات يصطدم بعقبات إسرائيلية تتجاوز مسألة التفاوض على التفاصيل، لتلامس مستقبل اتفاق الإطار نفسه.

 

 

 

وفي هذا السياق، بقيت زيارة السفير الأميركي ميشال عيسى إلى تل أبيب ولقاؤه رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو من دون نتائج معلنة، فيما تواصل إسرائيل رفضها تنفيذ بنود اتفاق الإطار، بالتزامن مع تصعيد ميداني متواصل يتخذ أشكالًا عدة من القتل والتدمير والحرق والجرف، في محاولة لتكبيد أكبر قدر ممكن من الخسائر بأبناء الجنوب وتثبيت الاحتلال في ما بات يُعرف بالمنطقة الصفراء.

 

 

 

 

وإذا كانت المفاوضات يفترض أن تكون المسار السياسي لمعالجة تداعيات الحرب، فإن الوقائع على الأرض توحي بأن نتنياهو بات ينظر إليها من زاوية مختلفة تمامًا. فهو يريد، قبل انتخابات الكنيست المقررة في تشرين الأول المقبل، أن يراكم إنجازات في لبنان وسوريا وفلسطين، وأن يقدم للمجتمع الإسرائيلي صورة عن حكومة وجيش يواصلان تحقيق المكاسب.

 

 

 

ومن هذه الزاوية تحديدًا، لم يعد نتنياهو يرى في استمرار المفاوضات مع لبنان الرسمي إنجازًا بحد ذاته، بعدما استنفد اتفاق الإطار، الوظيفة التي أرادها منه. وهو حصل عبر المسار التفاوضي على ما يعتبره مكاسب، فيما يضرب بعرض الحائط المناطق التجريبية، ويعرقل تشكيل لجنة التحقق الدولية، ولا يبدو مستعدًا لتقديم أي تنازل من شأنه أن يترجم الاتفاق إلى خطوات عملية.

 

 

 

لذلك، يبدو أن المطلوب إسرائيليًا في المرحلة المقبلة ليس إنجازًا تفاوضيًا، بل إنجازًا ميدانيًا يمكن تسويقه داخليًا عشية الانتخابات.

 

 

 

ويبقى الإنجاز الأكبر الذي يمكن أن يطمح إليه نتنياهو في لبنان هو السيطرة على مرتفعات علي الطاهر، لما لها من قيمة عسكرية ورمزية في المعادلة الجنوبية.

 

لكن الوصول إلى هذه المرتفعات ليس قرارًا سهلًا، إذ إن نتنياهو اختبر، خلال محاولتين للاجتياح وربما أكثر، جهوزية المقاومة وقدرتها على مواجهة أي تقدم إسرائيلي، ودفع جيش الاحتلال ثمنًا بشريًا لهذه المحاولات.

 

 

 

وهنا تكمن المعضلة الإسرائيلية: فنتنياهو يريد إنجازًا انتخابيًا، لكنه يدرك أن أي مغامرة عسكرية كبيرة قد تتحول إلى عبء انتخابي إذا ارتفعت كلفتها البشرية والعسكرية.

 

 

 

والمخاطر لا تتوقف عند حدود لبنان. فالمقاومة تؤكد أنها جاهزة لمواجهة أي تقدم إسرائيلي، وأن أي محاولة جديدة لن تمر من دون كلفة باهظة.

 

وفي المقابل، تبرز إيران كعامل إضافي في الحسابات الإسرائيلية، بعدما لوّحت بأنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي خرق إسرائيلي لمذكرة تفاهم إسلام آباد، ما يفتح الباب أمام احتمال اتساع المواجهة في حال قرر نتنياهو الذهاب بعيدًا في مغامرته.

 

 

 

وهكذا قد يجد نتنياهو نفسه أمام كلفة مزدوجة: كلفة مباشرة من إيران في حال جاء الرد على شكل ضربات تستهدف العمق الإسرائيلي، وكلفة سياسية من الإدارة الأميركية التي لا تريد تصعيدًا واسعًا في المنطقة قبيل الانتخابات النصفية، والتي سبق أن طلبت من نتنياهو تجنب الحرب المفتوحة واعتماد سياسة القضم التدريجي للوصول إلى علي الطاهر بدل الذهاب إلى مواجهة شاملة.

 

 

 

من هنا، يبدو أن نتنياهو سيواصل سياسة التصعيد حتى موعد الانتخابات، لكنه في الوقت نفسه سيبقى محكومًا بحسابات دقيقة، من دون أن يعني ذلك وجود ضمانات حقيقية تحول دون إقدامه على مغامرة غير محسوبة النتائج إذا اعتقد أنها يمكن أن تمنحه مكسبًا انتخابيًا.

 

 

 

وفي هذا السياق تحديدًا، تكتسب زيارة السفير ميشال عيسى إلى تل أبيب أهمية خاصة، خصوصًا أن محادثاته بقيت بعيدة عن الأضواء ولم تُعلن نتائجها. فهل كان هدف الزيارة إقناع نتنياهو بالمضي نحو عقد الجلسة الثامنة من المفاوضات المباشرة؟ أم دفعه إلى اتخاذ خطوة إيجابية تجاه لبنان تبقي اتفاق الإطار في غرفة الإنعاش، بدل إعلان وفاته رسميًا؟ أم أن الرسالة الأميركية كانت أكثر وضوحًا، وتتمثل في ضرورة الالتزام بتوجيهات الرئيس ترامب وعدم القيام بأي مغامرة عسكرية قد تستدرج ردًا إيرانيًا وتعيد إشعال المنطقة على نطاق واسع؟

 

 

 

ربما حملت الزيارة كل هذه الرسائل في آن واحد.

 

لكن المؤكد أن اتفاق الإطار يقف اليوم عند مفترق طرق: إسرائيل لا تبدو مستعدة لتنفيذه بصيغته التي أُقر بها، ولبنان ينتظر تحديد موعد الجلسة الثامنة، فيما تحاول واشنطن منع انهيار المسار بالكامل من دون أن تبدو مستعدة، حتى الآن، لفرض ترجمة عملية للاتفاق على إسرائيل.

 

 

 

وبين اتفاق يرفض نتنياهو دفنه رسميًا لأنه لا يريد تحمل تبعات إسقاطه، ولا يريد في الوقت نفسه الالتزام بمندرجاته، ومفاوضات معلّقة لا يُعرف متى تستأنف، يبقى السؤال الأهم: هل تسعى واشنطن إلى إنقاذ اتفاق الإطار فعلًا، أم إلى إبقائه حيًا بما يكفي لمنع الانفجار، ريثما تنتهي الحسابات الانتخابية الإسرائيلية والأميركية؟.