Beirut weather 30 ° C
تاريخ النشر September 3, 2026
A A A
خطة ترامب: من الانقلاب على مذكرة التفاهم إلى الغضب التكتيكي
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في البناء 

 

أثارت المكاسب التي حققتها إيران في مذكرة التفاهم قلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب وفريقه، خصوصاً بعدما قوبلت المذكرة بتفاعل سلبي داخل الولايات المتحدة وبين حلفائها، باعتبارها إقراراً بالعجز عن إخضاع إيران بالحرب والعقوبات. لذلك انتقلت واشنطن إلى خطة بديلة تستهدف إفراغ أهم بندين في المذكرة من مضمونهما: البند الأول المتعلق بإنهاء الحرب الإسرائيلية على لبنان وانسحاب قوات الاحتلال، والبند الخامس الذي يتعامل مع مضيق هرمز بوصفه ممراً إيرانياً عُمانياً لا يمكن تنظيم الملاحة فيه بتجاوز إيران.

 

– في لبنان، عملت واشنطن على استبدال معادلة وقف الحرب والانسحاب باتفاق بين الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية، صيغ بما ينسجم مع النظرة الإسرائيلية إلى الأمن والحدود وسلاح المقاومة. وساعدها في ذلك خصوم المقاومة الممسكون بالسلطة اللبنانية، بالتوازي مع دعم خليجي ظهر في اجتماع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي ووزير الخارجية الأميركي في المنامة، عشية ولادة الاتفاق اللبناني الإسرائيلي.

 

– كان الرهان أن يشكّل الاتفاق عنواناً جديداً لإنهاء الحرب، بحيث يصبح تنفيذ البند الأول من مذكرة التفاهم غير ذي موضوع. لكن حزب الله وقوى لبنانيّة عديدة رفضته، وسرعان ما تراجعت قوة الدفع التي رافقت ولادته؛ لأن الوقائع الميدانية لم تتغير، فالاحتلال لم ينسحب، والاعتداءات لم تتوقف، والضمانات الأميركيّة لم تتحوّل إلى التزامات قابلة للتنفيذ. وهكذا بقي الاتفاق ورقة سياسية معلقة في الهواء، ولم يصبح آلية لوقف الحرب واستعادة الأراضي المحتلة.

 

– بالتوازي، منح اجتماع المنامة غطاء لاستخدام المياه الإقليمية العُمانية في إنشاء ممرّ نفطيّ عبر هرمز من وراء ظهر إيران. وقامت الفكرة على تفكيك مفهوم الممر الإيراني العُماني المشترك إلى ممرين منفصلين: ممرّ عُمانيّ تحميه الولايات المتحدة وحلفاؤها، وممرّ إيراني تتحمّل طهران وحدها مسؤوليّته. وبهذه الصيغة أرادت واشنطن نزع الاعتراف بدور إيران في إدارة المضيق وإظهار عُمان بوابة بديلة لعبور السفن والناقلات.

 

– إلا أن إيران عطّلت هذا الرهان باستهداف السفن والناقلات التي حاولت استخدام الممرّ العُماني، مؤكدة عمليّاً أن الفصل بين ضفتي المضيق لا يصنع ممراً آمناً، وأن أمن هرمز لا يمكن تجزئته أو تنظيمه من دونها. ثم جاء الاتفاق الإيراني العُماني ليُعيد تثبيت المضيق ممراً مشتركاً تديره الدولتان المشاطئتان، ويسقط الحديث عن ممر عُماني مستقل في مواجهة ممر إيرانيّ.

 

– بعد تعثر المسارين اللبناني والعُماني، بدأت في 11 تموز جولة عسكرية أميركية استمرت ثلاثة عشر يوماً، وانتهت في 24 تموز بامتناع ترامب عن الانتقال إلى اليوم الرابع عشر. وخلال الجولة استهدفت الولايات المتحدة الرادارات ومنشآت الدفاع الجوي ومنصات الصواريخ ومواقع الحرس الثوري، بينما ردّت إيران باستهداف قواعد ومصالح أميركية في المنطقة، وبمواصلة الضغط على حركة الملاحة في مضيق هرمز.

 

– كان يفترض أن تؤدي الجولة إلى تدمير القدرات الإيرانية وفتح المضيق بالقوة. لكن سعر برنت بلغ 100.6 دولار، وتصاعدت كلفة التأمين والشحن، وبدأت الأسواق تتعامل مع استمرار الحرب باعتباره تهديداً مباشراً لإمدادات الطاقة. عند هذه العتبة توقفت الضربات، وعادت الوساطة العُمانية، وقدمت واشنطن أسباباً متعددة لتبرير وقف الجولة، فيما كان النفط قد رسم الحد العملي لقدرة الحرب على الاستمرار.

 

– في آب عادت الإدارة الأميركية بخطة بدت أكثر تركيباً: تشديد العقوبات، محاصرة صادرات إيران، محاولة زيادة عبور النفط عبر هرمز، وتنفيذ ضربات محدودة كلما ظهرت قدرات إيرانية أعيد ترميمها. وبافتراض أن هذه الخطة تمثل استراتيجية متماسكة، فإنها تقوم على تكامل ثلاثة مسارات: ضغط عسكريّ يمنع إيران من استعادة قدراتها، وخنق اقتصاديّ يقلّص مواردها، وتأمين نفطي يحمي السوق من نتائج التصعيد.

 

– لكن الوقائع تكشف أن هذه المسارات لا تتكامل، بل يناقض بعضها بعضاً. فالاعتراف الأميركيّ بأن إيران أعادت ترميم الرادارات ومنصات الصواريخ وقدرات زرع الألغام يعني أن الضربات السابقة لم تنتج تحولاً دائماً. وإذا كانت واشنطن تحتاج إلى قصف ما أعيد بناؤه بعد أسابيع، فإن كل جولة لا تحقق أكثر من إنتاج ظروف جولة لاحقة. وبعد كل ضربة ستأتي عملية بناء جديدة، ثم ضربة أخرى، من دون نقطة واضحة يمكن عندها إعلان الحسم، بينما تفرض الردود الإيرانية اعتراضات صاروخية تستنزف ما بقي من المخزون المستنزَف أصلاً. فالصواريخ الاعتراضية الأميركية والإسرائيلية أعلى كلفة وأبطأ إنتاجاً من الصواريخ والمسيّرات الهجومية الإيرانية. وكلما طال زمن التصعيد ارتفع استهلاك مخزونات الدفاع الجوي، بينما تحتفظ إيران بقدرتها على إنتاج وسائل هجومية أقل كلفة. وحتى إذا احتاجت إيران إلى وقت لتعويض خسائرها، فإن الولايات المتحدة وحلفاءها يعانون نقصاً حاداً في الذخائر ويحتاجون إلى وقت أطول بكثير لتعويض ما ينفقونه على حماية القواعد والمنشآت والسفن.

 

– أما الخنق الاقتصادي فيحتاج إلى أشهر أو سنوات حتى ينعكس على قدرة الدولة الإيرانية، كما يحتاج إلى تعاون كبار الشركاء التجاريّين لطهران. لكن قمة شنغهاي جاءت لتظهر رفض الصين وروسيا والهند وباكستان للضربات والعقوبات الأحادية، فسقط شرط الإجماع اللازم لتحويل العقوبات الأميركية إلى حصار دولي. فلا يمكن خنق صادرات النفط الإيراني من دون تعاون الصين، ولا إغلاق مسارات التجارة والدفع بوجود روسيا والهند وباكستان خارج منظومة العقوبات.

 

– وفي المقابل، يتحرّك سوق النفط خلال ساعات. فقد أظهرت “كيبلر” أن عبور الخام والمكثفات هبط من متوسط 15.82 مليون برميل يومياً قبل الحرب إلى 4.49 ملايين في تموز، شهر تصريف الكميات المتراكمة، ثم إلى 2.3 مليون في آب، شهر الاختبار الحقيقي بين الإرادتين الأميركية والإيرانية. وأغلق برنت عند 95.63 دولاراً بعد الضربات الجديدة. وهذا يعني أن واشنطن لم تستطع إعادة التدفقات الطبيعية أو توفير ممر آمن يتجاوز القرار الإيراني.

 

– هنا تظهر الفجوة الحاسمة بين زمن العقوبات وزمن النفط. فكل وقت إضافي تحتاج إليه العقوبات يسمح لسعر البرميل بالارتفاع، ويجبر واشنطن وحلفاءها على استخدام المزيد من الاحتياطيات، ويرفع أكلاف النقل والتأمين والتضخم. كما أن الضربات التي يُراد منها دعم الحصار ترفع سعر النفط، فتزيد قيمة كل برميل إيراني ينجح في الوصول إلى السوق، وتمنح طهران جزءاً من الموارد التي يفترض أن العقوبات تحرمها منها.

 

– وبذلك لا تتراكم عناصر الخطة لتنتج حسماً واحداً، بل تدور في حلقة مغلقة لكن تصاعدية: الضربات تستدعي رداً إيرانياً، والرد يرفع النفط، وارتفاع النفط يفرض وقف التصعيد، ووقف التصعيد يتيح لإيران ترميم قدراتها، ثم تعود واشنطن إلى ضرب ما جرى ترميمه. وفي المسار الاقتصاديّ تحتاج العقوبات إلى زمن طويل، بينما يصل النفط والمخزون الدفاعي والاحتياطي الاستراتيجي إلى مستويات مقلقة في زمن أقصر بكثير غير قابلة للترميم، ما يجعل حرب الاستنزاف الإيرانية تؤتي أكلها بجلب أميركا مجدداً إلى مذكرة التفاهم.

 

– الغضب التكتيكي لا ينتج استراتيجية.