Beirut weather 30 ° C
تاريخ النشر September 3, 2026
A A A
افتتاحية “البناء”: خطة ترامب تواجه نتائج عكسية في سعر البرميل… وإرادة شنغهاي بالمواجهة
الكاتب: البناء

تواجه خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإخضاع إيران اختباراً معاكساً لأهدافها، بعدما تحوّل التصعيد العسكري إلى ضغط مباشر على أسواق الطاقة. فقد لامس سعر برميل برنت 97.04 دولاراً قبل أن يقفل عند 95.63 دولاراً، فيما ردّت إيران باستهداف قواعد ومصالح أميركية في البحرين والكويت والأردن والعراق، ولوّح الحرس الثوري بتشديد الخناق على مضيق هرمز. وأظهرت بيانات «كبلر» حجم الاضطراب، إذ تراجعت حركة النفط الخام والمكثفات عبر المضيق من 15.82 مليون برميل يومياً قبل الحرب إلى 4.49 ملايين في تموز، ثم إلى 2.3 مليون فقط في آب، وهو الشهر الذي يعكس فعلياً أثر المواجهة بعدما شهد تموز تصريف شحنات متراكمة. وهكذا، كلما شددت واشنطن الضغط على طهران ارتفعت كلفة الطاقة على الاقتصاد العالمي، واتسعت الأضرار التي تطاول حلفاءها وتفاقمت أزمة نفاد الذخائر التي تعانيها.

 

أما سياسياً، فقد أظهرت قمة منظمة شنغهاي في بشكيك أن واشنطن لا تواجه إيران وحدها، بل إرادة آسيوية رافضة للعقوبات الأحادية. فقد التقت الصين وروسيا والهند وباكستان على إدانة الضربات الأميركية والإسرائيلية، وعلى رفض تحويل النظام المالي والتجاري الدولي إلى أداة لإخضاع الدول. وهذا يعني أن خطة تجفيف صادرات إيران ستصطدم بشبكة مصالح اقتصادية وطرق دفع وأسواق بديلة يصعب تفكيكها من دون الدخول في مواجهة مع بكين وموسكو ونيودلهي وإسلام آباد. وبينما يقول ترامب إن الحملة لن تطول، وإن بلاده تسيطر عملياً على هرمز، تكشف حركة الناقلات والأسعار أن المضيق لا يخضع لإرادة طرف واحد، وأن محاولة خنق إيران قد تنتهي بخنق إمدادات السوق ورفع فاتورة الطاقة عالمياً.

 

في جبهة الحرب الأوكرانيّة وسّعت روسيا ضرباتها على عمق البنية اللوجستية الأوكرانية، في محاولة لإقفال مسارين أساسيين للإمداد، موانئ البحر الأسود وشبكات السكك الحديدية. وتعرّضت كييف للقصف لليلة السابعة على التوالي، بعد موجة سابقة أوقعت اثني عشر قتيلاً، وفي أوديسا، استهدفت الغارات منشآت الطاقة والمرافئ، وتسبّبت بانقطاع الكهرباء عن نحو 350 ألف منزل. وقالت موسكو إنّها ضربت ثلاثة مراكز لوجستية قرب كييف، إضافة إلى منشآت مرفئية وسفينتي شحن قالت إنهما تنقلان أسلحة، ويوضح توزع الأهداف أن الحملة لا تقتصر على الاستنزاف العسكري، بل تسعى إلى قطع وصول السلاح والوقود عبر البحر والقطارات، وإضعاف قدرة أوكرانيا على تحريك القوات والإمدادات بين الجبهات.

 

وفي موازاة الحرب داخل أوكرانيا، اتهمت ألمانيا روسيا بنقل «الحرب الهجينة» إلى أراضي حلف شمال الأطلسي، بعدما نسبت إلى أجهزة روسية محاولة استهداف مطار لايبزيغ – هاله بطائرة مسيّرة مفخخة بنحو 600 غرام من المتفجرات، كانت قريبة من طائرة شحن أوكرانيّة من طراز أنتونوف، قبل أن تفشل العمليّة بسبب عطل تقنيّ. واستدعت برلين السفير الروسي، وأغلقت القنصلية الروسية في بون والمركز الثقافي الروسي في برلين، وطالبت بعقوبات أوروبية إضافيّة. وتزامن ذلك مع عمليتي تخريب لمنشآت كهربائيّة خلال أربع وعشرين ساعة، إحداهما قرب كولونيا وأخرجت خمس وحدات توليد بقدرة إجمالية تبلغ 4200 ميغاواط من الخدمة مؤقتاً. ولم يثبت ارتباط موسكو بهاتين العمليتين، لكن التحقيقات تدرس فرضيتي التدخل الخارجي والتطرف اليساري. والخلاصة الأوروبيّة أن الحرب لم تعُد محصورة بالجبهة الأوكرانيّة، بل باتت تطاول المطارات والطاقة والاتصالات داخل دول «الناتو»، ويأتي هذا التصعيد مع اتهامات روسية للدول الأوروبية بالتورط في الحرب.

 

في الشأن الانتخابي الإسرائيلي نجح بنيامين نتنياهو في تحسين فرص معسكره الانتخابي ومنع بعض أصوات اليمين من الضياع تحت عتبة الحسم، لكنه لم ينجح حتى الآن في بناء أكثريّة من 61 نائباً تضمن عودته إلى رئاسة الحكومة. ولا تزال تضع استطلاعات حديثة حزب «ياشار» بقيادة غادي آيزنكوت في المرتبة الأولى بما بين 24 و25 مقعداً، مقابل 20 إلى 23 مقعداً لليكود، ونحو 14 أو 15 مقعداً لحزب نفتالي بينيت. أما الأحزاب المؤيدة لنتنياهو فتدور، وفق أحد الاستطلاعات، حول خمسين مقعداً، مقابل 58 لمعسكر التغيير، مع بقاء الأحزاب العربيّة عاملاً مؤثراً في معادلة تشكيل الحكومة.

 

وقد حقق نتنياهو أمس، تقدماً انتخابياً ملموساً بعد نجاحه في رعاية التحالف التقني بين بتسلئيل سموتريتش وموشيه فيغلين، متجاوزاً إخفاقه في جمع سموتريتش وبن غفير. وأظهر أول استطلاع بعد التحالف حصول القائمة الجديدة على ستة مقاعد، مع عبور حزب عوفر فينتر عتبة الحسم بأربعة مقاعد، ما رفع كتلة نتنياهو إلى 53 نائباً، بالتساوي مع المعارضة الصهيونيّة للمرة الأولى، بدلاً من بقائها قرب خمسين مقعداً. لكن هذا التحسن لا يمنحه الأكثرية المطلوبة، وهي 61 نائباً، ولا يزيل تقدّم غادي آيزنكوت؛ إذ بقي حزب «ياشار» أولاً بـ22 مقعداً، مقابل 21 لليكود، فيما حصل تحالف بينيت – لبيد على 12 مقعداً. ويكشف التحالف الجديد أن نتنياهو نجح في تقليص هدر أصوات اليمين، لكنه لم يستطع بعد إنتاج حكومة. كما أن الاتفاق بين سموتريتش وفيغلين، الذي يمنح الأخير المرتبة الثانية ويلزمه دعم نتنياهو، يبقى خطوة دفاعية لحماية الأحزاب الصغيرة، بينما تظل المعركة الحاسمة مرتبطة بإغلاق القوائم وقدرة نتنياهو على استقطاب فينتر أو التفاهم مع بن غفير.

 

لبنانياً، طالب الرئيس جوزاف عون بتطبيق اتفاق الإطار كاملاً من الطرفين وإنجاز الانسحاب وحصر السلاح بالتوازي، ومن دون انتقائية، مؤكداً أن الحل بالدبلوماسية لا بالحرب، وأن لبنان مصمّم على إنهاء حالة العداء مع «إسرائيل». لكن المشكلة ليست فقط في امتناع «إسرائيل» عن التنفيذ، كما يقول وزير الدفاع، بل في مضمون الاتفاق الذي وقّعته السلطة نفسها. فالنص لم يضع الانسحاب الإسرائيلي ونزع سلاح المقاومة في مسارين متوازيين ومتزامنين، بل جعل نزع السلاح والتحقق منه مدخلاً لتسلّم الجيش المناطق، وفتح الطريق أمام إعادة انتشار إسرائيلية تدريجية، لا انسحاباً فورياً مقابلاً. وبذلك يطالب عون اليوم بتوازن لم يضمنه عند التوقيع. وكان الرئيس نبيه بري قد اقترح عند صدور وقف النار بعد الجولة الرابعة للتفاوض التي سبقت الاتفاق، انسحاباً متزامناً للمقاومة و»إسرائيل»، بالتوازي مع انتشار الجيش جنوب الليطاني، لكن السلطة لم تأخذ بهذه الصيغة. وما تطلبه اليوم تحت عنوان التطبيق المتبادل هو عملياً اعتراف بعدم صلاحية الاتفاق والحاجة إلى تعديله، لا مجرد مطالبة «إسرائيل» بتنفيذ النص القائم.

 

لم يُحسم بعد موعد الجولة المقبلة من المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية في روما، خلافاً لما تردد عن إمكان عقدها في منتصف أيلول؛ إذ لا تزال الاتصالات جارية لتثبيت الموعد واستكمال الترتيبات المرتبطة باستئناف المسار التفاوضي. وفي هذا الإطار تكتسب زيارة السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى إلى «إسرائيل» ولقاؤه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أهميّة خاصة، باعتبارها جزءاً من محاولة أميركية لإزالة العقبات التي تحول دون العودة إلى طاولة التفاوض.

 

وتعمل واشنطن على بلورة أرضية تسمح بإطلاق جولة جديدة، من خلال بحث المطالب التي يتمسك بها لبنان ومحاولة الحصول على ما يمكن أن يدعم موقفه ويفتح المجال أمام تقدم ملموس. وكان عيسى قد أبلغ المسؤولين اللبنانيين مسبقاً بنيته زيارة تل أبيب، من دون الكشف عن طبيعة الأفكار والطروحات التي حملها معه، على أن يطلب لاحقاً موعداً مع رئيس الجمهورية جوزاف عون لإطلاعه على نتائج اتصالاته، ولا سيما لقائه مع نتنياهو.

 

ويأتي ذلك في وقت تتقاطع فيه الحركة الأميركية مع التحضيرات للمؤتمر التمهيدي لدعم الجيش اللبناني في باريس، بمشاركة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والرئيس العماد جوزاف عون، والملك الأردني عبد الله الثاني، بما يعكس استمرار الدفع الدولي في اتجاه تثبيت الاستقرار اللبناني، بالتوازي مع محاولة إعادة تنشيط المسار التفاوضي. وفي روما، تحرّك المبعوث السعودي الأمير يزيد بن فرحان باتجاه دعم الموقف اللبناني ومواكبة الجهود الدبلوماسية الجارية، خلال لقاءاته مع الجانب الإيطالي التي تناولت آخر التطورات في لبنان.

 

إلا أن هذه الاتصالات لا تعني أن الطريق بات مفتوحاً أمام استئناف المفاوضات؛ إذ لا يزال التصعيد الإسرائيلي يشكل عاملاً حاسماً في تحديد مسار المرحلة المقبلة. فقد واصلت “إسرائيل” غاراتها وقصفها مستهدفةً محاور علي الطاهر، والدبشة، ودوحة كفررمان، والنبطية الفوقا، في إطار التصعيد المتواصل على المنطقة. وكشفت معلومات تلفزيونية أن حزب الله تصدّى لمحاولة تقدّم إسرائيلية باتجاه علي الطاهر بعد منتصف الليل، وأنه استهدف آلية عسكرية بمسيّرة ما أدى إلى تدميرها.

 

وادعى وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس أنّه “إذا تعرّضت “إسرائيل” لهجوم إيراني بسبب عمليّاتنا في غزة أو لبنان فإن طائراتنا جاهزة للإقلاع فوراً”. وأضاف: “مستعدّون للدفاع والهجوم بتنسيق كامل مع أميركا”.

 

وقال رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون: “أنا منفتح على كلّ خيار ومسار يمكن أن يساهم في تحقيق هذه الأهداف، لأنّ الأولويّة هي حماية لبنان وشعبه”، في موقف يعكس استمرار الرئاسة في الدفع نحو المسار الدبلوماسيّ باعتباره مدخلًا لتجنيب البلاد مواجهة عسكريّة جديدة، من دون فصل ذلك عن التمسّك بالسيادة ومصالح الدولة. وشدّد على أنّ “مواجهة التحدّيات التي يمرّ بها لبنان لا تكون إلّا بوحدتنا الوطنيّة وتضامننا الداخلي”.

 

وفي هذا السياق، توقّف رئيس الجمهوريّة عند كلمة رئيس مجلس النواب نبيه برّي في ذكرى تغييب الإمام السيّد موسى الصدر، مثنيًا على ما تضمّنته من تأكيد على مرتكزات السلم الأهلي والتمسّك بالمؤسّسة العسكريّة واتفاق الطائف واعتبارها خطوطًا حمراء، وهي رسالة إلى الداخل قبل أن تكون إلى الخارج.

 

من جهتها قالت قيادة الجيش، مديرية التوجيه، في بيان، إنّه “برزت في الآونة الأخيرة مزاعم منسوبة إلى وسائل إعلام إسرائيليّة معادية، حول مواقف متعلّقة بالجيش ومهمّاته في الجنوب، وغيرها من الأخبار المفبركة”.

 

وشدّدت القيادة على وحدة القرار داخل المؤسسة العسكريّة، مؤكّدة أنّ “عناصر المؤسسة ملتزمون توجيهاتها والمهمّات الموكلة إليهم، ويؤدّون واجباتهم انطلاقًا من إيمانهم بمسؤوليّتهم الوطنيّة في الدفاع عن سيادة لبنان وأمنه واستقراره، بعيدًا عن أيّ حسابات أو اعتبارات أخرى”. وقالت: “إنّ توقيت إطلاق هذه الشائعات وترويجها، في مرحلة بالغة الدقّة والحساسيّة، يكشف خطورة محاولات استهداف الجيش وقيادته وزرع الشك في صفوف المؤسسة وزعزعة الثقة بينها وبين اللبنانيين”. وحرصت قيادة الجيش على التأكيد أنّ المؤسسة تحظى بدعم خارجي مستمر، مشيرةً إلى أنّ القيادة “تحظى بثقة الدول الشقيقة والصديقة، التي تواصل دعمها للجيش إيمانًا منها بأهميّة دوره، لا سيّما في ظلّ الظروف الاستثنائيّة والتحدّيات التي يواجهها لبنان”.

 

وفي إطار زيارته إلى العاصمة الصربية بلغراد لتمثيل رئيس الجمهورية اللبنانيّة في فعاليات المؤتمر المنعقد بمناسبة الذكرى الـ65 لتأسيس حركة عدم الانحياز، اجتمع وزير الدفاع الوطني اللواء ميشال منسى مع رئيس وزراء جمهورية صربيا دجورو ماتسوت، وجرى خلال اللقاء البحث في العلاقات اللبنانية الصربية وسبل تطويرها في مختلف المجالات الممكنة. كما تطرّق البحث إلى الخيارات المتاحة لمرحلة ما بعد انتهاء مهام القوات الدولية العاملة في الجنوب مع نهاية العام الحالي، وإلى الأوضاع العامة التي يمرّ بها لبنان، وفي طليعتها الوضع في الجنوب.

 

واستقبل رئيس الحكومة نواف سلام سفير المملكة العربية السعودية فهد بن عبد الرحمن الدوسري، وتمّ البحث في الأوضاع في لبنان والمنطقة، لا سيما التطوّرات في الجنوب، إضافة إلى سبل تعزيز التعاون المشترك والبنّاء بين البلدين.

 

وعبّر المطارنة الموارنة عن “أسفهم الشديد مكررين شجبهم للعمليات العسكرية الإسرائيلية التي تتعرّض لها قرى وبلدات ومدن في الجنوب، ومجددين مطالبتهم القوى الدولية القادرة بوضعِ حدٍّ نهائي لذلك، والأطراف المعنيين جميعًا بالالتزام بموجبات اتفاق الإطار”.

 

وقال بيان المطارنة الموارنة: “نراقب بداية الانسحاب التدريجي لقوات الأُمم المتحدة العاملة في الجنوب، الذي ينتهي في كانون الأوّل المقبل. وندعو إلى توافقٍ على قواتٍ دولية أو مُتعدِّدة الجنسيات بديلة منها، تتحلّى بصيغةِ عملٍ حازمة تسمح بإنجاح استرداد لبنان أراضيه حتى الحدود الدولية عبر قواه العسكرية الشرعية”.