Beirut weather 32 ° C
تاريخ النشر September 2, 2026
A A A
«قانون الصيد المائي» يُخصخِص البحر: «إعدام بطيء» لصغار الصيادين!

كتبت راجانا حمية:

بعد أقلّ من أسبوعين على إقرار مجلس النواب مشروع قانون «الصيد المائي وتربية الأحياء المائية»، أعاد رئيس الجمهورية جوزف عون، القانون إلى المجلس طالباً إعادة النظر فيه. للوهلة الأولى، اعتقد المعنيون، ولا سيما الصيادين الذين سبق أن اعترضوا على القانون، أن ردّه جاء استجابةً لملاحظاتهم. لكن سرعان ما تبيّن لهم أن أسباب الرد لا تمتّ بصلة إلى ذلك، إذ انحصرت في ملاحظة واحدة تتعلق بالمادة 124، التي خصّصت موظفي دائرة الصيد المائي والبري بنسبة من عائدات الغرامات ومن حصيلة بيع المضبوطات في المزادات العلنية. واعتبر عون أن هذا التخصيص يخالف مبدأ الشيوع ويحرم الخزينة العامة من جزء من إيراداتها.

وبذلك، يرى الصيادون أن ردّ رئيس الجمهورية لم يمسّ جوهر القانون الذي أُقرّ بشبه إجماع نيابي، رغم أن غالبية النواب الذين صوّتوا عليه لم يكونوا لم يطّلعوا على مضمونه. والأكثر إثارة للاستغراب أن المجلس أقرّ القانون بمادة وحيدة، علماً أنه يتألف من 130 مادة.

 

 

صيّادو «الفلوكة» خارج القانون
تكمن خصوصية بحر لبنان في أنه ظلّ مفتوحاً أمام الفقراء وصغار الصيادين، وشكّل لعقود ملاذهم لتأمين لقمة عيشهم. ويكاد الأسطول اللبناني يكون فريداً في تركيبته، إذ يتألف في غالبيته من قوارب صغيرة يقل طولها عن 12 متراً، ومعظمها من نوع «الفلوكة» التي لا يتجاوز طولها 6 أمتار، وتعمل بمحركات بسيطة. وتقدّر الحركة النقابية في لبنان نسبة هذا النوع من القوارب بنحو 96% من إجمالي الأسطول. لذلك، لا يمكن التعامل مع هؤلاء الصيادين بوصفهم مجرد عمال، إذ إنهم جزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي للمدن والبلدات الممتدة على طول الساحل.

وقد مرّت على الصيادين أزمات ومصائب كثيرة، لكنهم لم يتركوا البحر، إذ لا مصدر رزق آخر لكثير منهم. واليوم، يخشى هؤلاء أن تأتي الدولة لإقصائهم عبر قانون يرون أنه يفتح البحر أمام أصحاب الرساميل والمحتكرين. وهو القانون الذي وصفته وزارة الزراعة بأنه «تحوّل نوعي» في السياسة الوطنية لإدارة الثروة السمكية، قبل أن يردّه رئيس الجمهورية، فاتحاً الباب مجدداً، ولو موارباً، أمام إعادة النقاش في مضمونه.

وعليه، جدّد الصيادون رفضهم ما يسمّونه «قانون وزارة الزراعة»، معتبرين أنه يثير «هواجس مشروعة، ويؤسس لمرحلة قد يصبح فيها أصحاب الرساميل أكثر حماية من أصحاب المهنة الذين أفنوا أعمارهم في البحر»، وفق اتحاد نقابات العاملين في الصيد وتربية الأسماك. ولعلّ ما يثير غضب هؤلاء أكثر من مضمون القانون نفسه هو «العقلية التي أنتجته، والتي تتحدث عن الاستثمار قبل الإنسان، وعن المشاريع قبل الصياد، وعن الشركات قبل مئات العائلات التي تعيش منذ عشرات السنين من خير البحر». لذلك، يدعون إلى «إعادة فتح النقاش وإدخال تعديلات تكرّس حماية الصيادين بنصوص واضحة لا تحتمل التأويل».

وكان الصيادون قد عبّروا عن الموقف نفسه قبل ردّ القانون، معتبرين أن «ما خرج من جلسة المجلس النيابي ليس القانون الذي وضعنا ملاحظاتنا عليه»، وفق رئيس جمعية الصيادين في ميناء الجناح، إدريس عتريس، الذي لا يملك مصدر رزق سوى «فلوكة» بطول مترين ونصف متر. ويرى أن القانون الجديد يهدد، مثله مثل مئات الصيادين، مصدر رزقهم، بدءاً من أبسط الشروط وصولاً إلى أكثرها تعقيداً.

فعلى سبيل المثال، يشترط القانون «تجهيز مراكب الصيد بوسائل تبريد ملائمة لتخزين الأحياء المائية المصطادة» (المادة 12)، ويلزمها بـ«المواصفات المعيارية الفنية الخاصة بمراكب الصيد ومعدّاته» (المادة 14)، كما يتيح لوزير الزراعة تحديد «أي شروط أخرى تبعاً للتقدم التكنولوجي» (المادة 15). وإلى هذه المتطلبات، تضاف الصلاحيات الواسعة الممنوحة للوزير، من الترخيص إلى منح الاستثناءات.
هكذا، تجاهل المشرّع الخصوصية اللبنانية، فأخضع صغار الصيادين، وهم في غالبيتهم من محدودي الدخل، لمعايير أقرب إلى المعايير الصناعية، بما يرفع كلفة العمل عليهم ويفتح الباب، عملياً، أمام احتكار القادرين مالياً لقطاع الصيد، وتحويل الصيادين الصغار إلى «عمال غير نظاميين معرّضين للملاحقة والعقوبات»، وفق تحذير «الحركة الزراعية».

وبدلاً من أن ينطلق تنظيم القطاع وتحديث تشريعاته من مقاربة تحقق العدالة الاجتماعية، عبر تحسين ظروف عمل الصيادين الصغار وتحصين حقوقهم في البحر قبل فتح المجال أمام الشركات الكبرى ومراكب الصيد الأجنبية، يحمّل القانون هؤلاء سلسلة من الالتزامات والعقوبات من دون أن يوفر لهم حماية اجتماعية مقابلة. فالمادة 16، مثلاً، تلزم الصياد بالحصول على بطاقة صياد محترف، من دون أن تربطها بأي حقوق أو منافع اجتماعية. وكان يفترض، بحسب «الحركة الزراعية»، ربط القانون بقانون التقاعد الجديد بشكل واضح ومُلزِم «مع توفير آليات دعم لدفع الاشتراكات عبر صندوق خاص مثلاً». أمّا الأكثر إجحافاً، فهو الباب العاشر المتعلّق بالعقوبات. فبدلاً من العمل على برامج دعم لتحديث المعدّات، سيُعاقب الصياد الذي «لا يملك ثمن شبكة قانونية جديدة».

 

 

بيع البحر وأسماكه
الأكثر فجاجة ما يذهب إليه القانون في فتح مياه المنطقة الاقتصادية الخالصة اللبنانية أمام مراكب الصيد الأجنبية والأساطيل الصناعية، بموجب تراخيص يصدرها وزير الزراعة (المادة 50)، في انجرار واضح وراء «وهم اقتصادي» يروّج له مؤيدو القانون، مفاده أن هذه الخطوة ستدرّ إيرادات على الخزينة من خلال «رسوم التراخيص». لكن النتيجة الفعلية قد تكون حرمان صغار الصيادين من «رزقتهم»، بعدما تتولى البواخر العملاقة «المرخّصة» جرف الثروة السمكية على نطاق واسع.

وتزداد خطورة هذه التقنية، المعروفة بـ«الجرف القاعي»، نظراً إلى آثارها البيئية. فبحسب التقرير العلمي الذي أعدّته «الحركة الزراعية» حول تداعياتها، يقوم هذا النوع من الصيد على احتكاك مباشر وعنيف بقاع البحر، ما يؤدي إلى تدمير البنى البيئية التي تشكّلت على مدى آلاف السنين، وإتلاف الأعشاب البحرية والكائنات القاعية، وتعكير المياه وخفض مستويات الأوكسيجين، فضلاً عن تعزيز الصيد العرضي الذي يطال الأسماك الصغيرة غير الناضجة والسلاحف البحرية والأنواع غير التجارية. والنتيجة، وفق التقرير، تسريع انهيار المخزون السمكي وتقليص القدرة التكاثرية للأنواع ذات القيمة الاقتصادية.

أما الأخطر، فهو أن تأثير الصيد في المنطقة الاقتصادية الخالصة لا يبقى محصوراً فيها، باعتبارها ليست منطقة معزولة بيولوجياً. فالأسماك فيها تشكّل أرصدة متداخلة أو مهاجرة، واستنزافها في المياه العميقة ينعكس مباشرة على الكميات التي تصل إلى المناطق الساحلية، حيث يعتمد الصياد اللبناني الصغير على رزقه.

بلغة الصيادين، تبدو المنافسة محسومة سلفاً لمصلحة البواخر العملاقة. فالباخرة التي تستخرج مئات الأطنان من الأسماك تستطيع بيع الكيلوغرام «بين دولار ودولارين»، فيما الصياد الذي يقضي يومه في «الفلوكة» ليعود بثلاثة كيلوغرامات فقط، يبيع الكيلوغرام بـ10 أو 15 دولاراً، ما يعني أنه «سيجد نفسه مطروداً من البحر»، يقول عتريس.
ويعيد فتح البحر أمام الشركات الأجنبية والمراكب العملاقة الصيادين بالذاكرة 51 عاماً إلى الوراء، حين انتفضوا، ومعهم الشهيد معروف سعد، في وجه ترخيص أصدره رئيس الجمهورية آنذاك لشركة «بروتيين» لاحتكار الصيد البحري على امتداد الشاطئ اللبناني. والمفارقة أن القانون المطروح اليوم لا يعيد إنتاج التجربة نفسها مع شركة واحدة، بل يفتح الباب أمام عدة شركات وأساطيل، ما يهدد بدفع الصياد اللبناني، تدريجياً، إلى خارج قطاع الصيد.
الاستزراع المائي
يفرد القانون باباً كاملاً للاستزراع المائي (الباب السابع: منشآت تربية الأحياء المائية، ويمتد على أربعة فصول من المواد 81 إلى 97). وهو عملياً، يفتح باب الخصخصة، إذ تمنح المواد 81 إلى 87 وزارة الزراعة صلاحيات استثنائية لترخيص إنشاء مزارع «في المياه اللبنانية وعلى الأملاك العامة والخاصة»، بما يعطي صاحب الترخيص «حق الملكية الفردية أو المؤسسية للمخزونات السمكية المُنتَجة»، كما حق استثمار المرفق. صحيح أن القانون يحدد مدة للترخيص، إلا أن الفساد قد يؤدي إلى منح تراخيص طويلة الأمد، كما هو حاصل على اليابسة. وتتخوّف «الحركة الزراعية» التي قامت بتعميم نقدٍ شاملٍ للقانون قبل إقراره، من أن «تذهب المواقع البحرية الأكثر تميّزاً إلى شركات كبرى ونافذين سياسيين، ما يحرم الصيادين اللبنانيين وعامة الناس من استخدام هذه المساحات».

هكذا، يُقصى صغار الصيادين من المنافسة لعدم قدرتهم على الحصول على تراخيص الاستزراع المائي، ما يقلّص بالتالي المساحات التي يعملون فيها، خصوصاً في محيط المزارع المُرخَّصة، التي يُمنع الصيد في القرب منها. وما تفعله هذه السياسة أيضاً أنها تضرب النظام الأيكولوجي، عبر ممارسات أصحاب المزارع الذين يستخدمون «المواد الكيميائية»، خلافاً لصغار الصيادين الذين يصطادون «السمكة على طبيعتها»، يؤكد عتريس.

 

 

إلى المواجهة
من الانتقادات للقانون أيضاً، هو فقدان القدرة على مراقبة عمل السفن الأجنبية، نظراً إلى الواقع المهترئ للبحرية اللبنانية ووزارة الزراعة، التي تعاني من نقص حادّ في الموارد اللوجستية. فهي «لا تملك قوارب مراقبة كافية ولا وقوداً أصلاً لتسيير الدوريات، ولا أنظمة رصد عبر الأقمار الاصطناعية لمراقبة المنطقة الاقتصادية الخالصة…». وبالتالي، ستكتفي بالسجلّات الذي سيقدّمها الربّان فقط (المادة 52). ولذا، ترى «الحركة الزراعية» أن منح تراخيص لسفن أجنبية للعمل بعيداً عن الشاطئ هو بمثابة «إعطاء شيك على بياض لاستباحة الثروة السمكية»، واصفةً ذلك بـ«سذاجة تشريعية في عالم الصيد الصناعي المعروف بالتلاعب بالبيانات».

تشير «الحركة الزراعية» أيضاً إلى انتقادات أخرى، ومنها حرمان الصياد الفلسطيني من العمل (المادة 15)، وربط الصيد في أعالي البحار بالاتفاقيات الدولية فقط، من دون تأكيد عدم المساس بالسيادة البحرية اللبنانية، خاصةً في ظل النزاعات الحدودية القائمة (المادة 24).
هكذا، انقلبت وظيفة التحديث التشريعي من التنظيم إلى عرض البحر وأسماكه للبيع. ولذا، فهم الصيادون من القانون أن أحداً «لا يريد صيادي سمك»، يقول أمين سر النقابة في ميناء صيدا، محمد غالب السمرا، معتبراً أنه «إعدام يمارسونه بحقنا على البطيء».

وإذ كان لسان حال الصيادين أنهم «تحت القانون»، إلا أن ذلك لا يعني أن يأتي «على حساب لقمة عيشهم والتزاماتها وبيوتهم»، يحذّر السمرا.
لأجل ذلك، لا يجد الصيادون أمامهم سبيلاً سوى المواجهة، مُحدِّدين «لاءاتهم» في البيان الأخير لاتحاد نقابات العاملين في الصيد وتربية الأسماك: لا ثقة بالدولة التي لا تستطيع صون سيادتها البحرية بصورة كاملة، لا لتحويل البحر إلى ساحة استثمارات ولا للوعود بإعطاء الأولوية لتعاونيات الصيادين من دون ضمانات قانونية ملزمة. ولذا، يطالب الصيادون بإشراكهم في مناقشة التعديلات التي سيتم إجراؤها على القانون، ومن ثم في صياغة المراسيم التطبيقية، لضمان حماية الصيادين ومصالحهم.