Beirut weather 30 ° C
تاريخ النشر August 31, 2026
A A A
ماذا بقيَ من اتفاق الإطار؟
الكاتب: غسان ريفي

كتب غسان ريفي في “سفير الشمال”:
حتى الآن، لم يُحدَّد موعد انعقاد الجلسة الثامنة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في روما، بالرغم من إعلان لبنان الرسمي أكثر من مرة استعداده للذهاب إلى هذه الجلسة.

لكن يبدو أن إسرائيل لم تعد تريد اتفاق الإطار نفسه، بعدما حصلت منه على معظم ما تريده، وباتت تتطلع إلى الاستفادة من البنود التي تصب في مصلحتها، وإلى إغراق المسار التفاوضي في المماطلة والتسويف وعدم عقد الجلسات، بهدف تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب الميدانية، في ظل عجز السلطة اللبنانية عن التصدي للعدوان المستمر، وعن الخروج من الاتفاق أو حتى تعليق المفاوضات احتجاجاً على السلوك الإسرائيلي.

بمنطق الأمور، لم يبقَ من اتفاق الإطار شيء يُذكر. الاتفاق بات في حالة موت سريري، يعيش على الأوكسجين الأميركي والصدمات اللبنانية التي تحاول إبقاءه على قيد الحياة، فيما تضرب إسرائيل بنوده عرض الحائط، سواء من خلال إعلانها عدم الانسحاب، أو رفضها وقف إطلاق النار، أو إفشالها محاولات تنفيذ “المناطق التجريبية”، فضلاً عن استعدادها لاجتياح مرتفعات علي الطاهر، واستثمار ذلك في الانتخابات الإسرائيلية.

وفي المقابل، تبدو واشنطن حذرة في التعامل مع هذا التصعيد، وتطلب التريث، خشية عودة الحرب المفتوحة في لبنان وإمكان امتدادها إلى المنطقة، ولا سيما مع التهديد الإيراني بالتدخل، بما قد يطيح بكل الجهود الأميركية المبذولة لتثبيت التهدئة، في وقت تتصاعد فيه العقوبات الأميركية على إيران.

أمام هذا الواقع، تصل السلطة اللبنانية إلى طريق مسدود. فهي لا تبدو قادرة على انتزاع أي حق أو مطلب من الجانب الإسرائيلي، ولا قادرة على تسويق اتفاق الإطار شعبياً بعدما ثبت فشله، وتأكد عملياً ما سبق أن قاله الرئيس نبيه بري من أنه “وُلد ميتاً”. وهي، في الوقت نفسه، لا تستطيع التراجع عن مواقفها أو النزول عن الشجرة التي صعدت إليها في غمرة الوعود الأميركية العرقوبية، ولا تملك حتى الآن تصوراً واضحاً للحلول بعدما سلخت نفسها عن مذكرة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية، واختارت أن يُستفرد بها في مفاوضات مباشرة برعاية أميركية، في ظل عدوان إسرائيلي مستمر يترافق مع المفاوضات بهدف فرض المزيد من التنازلات اللبنانية.

وهكذا تبدو الطرق كلها مسدودة أمام السلطة اللبنانية، باستثناء طريقين، أحدهما خارجي والآخر داخلي.

الخيار الخارجي يبدأ بالعودة إلى التمسك بالبند الأول في تفاهم إسلام آباد، والتشديد على ضرورة تفعيل لجنة التحقق من وقف إطلاق النار، المتمثلة بأميركا وإيران وتركيا وباكستان وقطر، باعتبارها الإطار الأوسع القادر على إعادة ضبط مسار التفاوض ومنع إسرائيل من تحويله إلى غطاء سياسي لعدوانها.

لكن إسرائيل تواصل تعطيل لجنة التحقق، لأنها لا تريد، في الأساس، لا الانسحاب ولا المناطق التجريبية، بدليل أنها أعلنت فشل هذه المناطق قبل أن تبدأ أصلاً.

وهنا تظهر مجدداً خطورة الخطأ الذي ارتكبه رئيس الحكومة نواف سلام، عندما استعجل غرس العلم اللبناني في بلدة زوطر الغربية في استعراض سياسي لم تكن له مفاعيل داخلية تُذكر، لكنه قدّم لإسرائيل صورة رسمية استثمرتها لاحقاً في إعلان فشل المناطق التجريبية” وتحميل الجيش اللبناني مسؤولية ذلك.

وبذلك تحولت الخطوة، بدل أن تكون إنجازاً لبنانياً، إلى ورقة إضافية في يد إسرائيل لتبرير موقفها والتهرب من تنفيذ بنود الاتفاق.

أما الخيار الداخلي، فيتمثل في الاستفادة من عناصر القوة التي ما تزال تمتلكها السلطة اللبنانية، بعدما ثبت بالوجه الشرعي أن لا السلطة قادرة على اتخاذ قرارات لا تقبل بها المقاومة، ولا المقاومة قادرة على التأثير في قرارات السلطة، الأمر الذي يفرض البحث عن ثغرة في هذا الجدار المرتفع، والنفاذ منها إلى قاسم مشترك يجمع كل الأطراف حول الأولويات الفعلية: الانسحاب الإسرائيلي، ووقف إطلاق النار، واحتواء السلاح ضمن تفاهم لبناني جامع.

فلا يمكن للسلطة اللبنانية أن تستمر في مفاوضاتها المباشرة في ظل هذا التغول والتوغل الإسرائيليين، ولا يمكن للمقاومة أن تبقى بعيدة عن القرار السياسي للسلطة، لأن استمرار المسارين المتوازيين، السياسي من جهة والميداني من جهة أخرى، من دون تنسيق أو تفاهم داخلي، قد يقود إلى ما لا تُحمد عقباه.

فالعدو الإسرائيلي لا يكتفي بالبحث عن مكاسب على طاولة المفاوضات، بل يفتش، ومعه أدواته، عن فتنة داخلية تريحه من كلفة المواجهة، وتسمح له بالتدخل في المعادلة اللبنانية، وتمنحه لاحقاً الذريعة والشرعية لاحتلال المزيد من الأرض.

وعليه، فإن السؤال لم يعد: متى تنعقد الجلسة الثامنة؟ بل أصبح: ما جدوى انعقادها؟ وماذا بقي أصلاً من اتفاق الإطار؟، وهل ما زالت هناك مفاوضات حقيقية؟، أم أن لبنان يتمسك بجثة اتفاق فيما تستثمر إسرائيل موته لتحقيق أهدافها؟