Beirut weather 31 ° C
تاريخ النشر August 28, 2026
A A A
هل تكفي خطابات الترحيب بالوفد الإمارتي؟
الكاتب: صلاح سلام

كتب صلاح سلام في اللواء 

ليست زيارة الوفد الاقتصادي الإماراتي الرفيع إلى بيروت حدثاً عادياً عابراً، ولا مناسبة مستجدة لتبادل عبارات المحبة والإخاء. فالوفد، برئاسة وزير التجارة الخارجية ثاني بن أحمد الزيودي، وبمشاركة عشرات القيادات الاقتصادية ورجال الأعمال، يأتي في توقيت بالغ الدلالة، وقد يشكّل افتتاحاً فعلياً لخط عودة الاستثمار العربي إلى لبنان، بعد سنوات من الانكفاء وفقدان الثقة.

 

وتكتسب هذه المبادرة وزناً مضاعفاً لأنها تأتي في بداية استعادة لبنان بعض الاستقرار، وفي ظل حاجة ملحّة إلى تحويل الانفتاح العربي السياسي إلى دورة إنتاج، وفرص عمل وثقة بالاقتصاد. لذلك ستكون نتائجها اختباراً أول لمدى اقتناع المستثمر العربي بأن الدولة اللبنانية بدأت فعلاً تغيير قواعد الإدارة والحوكمة.

 

لكن نجاح الزيارة لا يُقاس بحرارة الاستقبال، ولا بعدد المآدب والصور التذكارية، بل بما وضعه اللبنانيون على الطاولة من مشاريع مدروسة وقابلة للتنفيذ. المطلوب ملفات متكاملة في الكهرباء والطاقة والمياه والنقل، وفي تطوير المرافئ والمطارات والمعابر، إضافة إلى الزراعة والصناعة والتكنولوجيا والخدمات المالية. وقد طُرحت بالفعل مجالات مثل الهوية الذكية، وتحديث أنظمة الجمارك والمنشآت النفطية، وهي فرص تستحق الانتقال سريعاً من عناوين عامة، إلى خطط استثمارية واضحة.

 

من المفترض أن كل ملف يجب أن يتضمن دراسة جدوى، وكلفة محددة، ومردوداً متوقعاً، وجدولاً زمنياً، وصيغة قانونية للشراكة، والجهة اللبنانية المسؤولة عن المتابعة. فالاستثمار الإماراتي، سواءٌ جاء من أفراد أو مؤسسات وصناديق، أو في شراكة مع الدولة والقطاع الخاص اللبناني، لا يدخل إلى الفراغ، ولا ينتظر سنوات في ممرات الإدارات المتنازعة.

 

أما الرهان على عودة زمن «المساعدات الأخوية» المفتوحة، فهو أشبه بانتظار «عودة غودو»!

 

قد تكون وديعة كبيرة في مصرف لبنان، شكلاً ممكناً واستثنائياً للدعم، إذا توافرت شروطها السياسية والمالية، لكن مشاريع الكهرباء والمرافئ والبنى التحتية تُموَّل اليوم غالباً باستثمارات محسوبة، أو بشراكات، أو بقروض ميسَّرة تقدمها صناديق التنمية العربية، بفوائد وآجال سداد وشروط تنفيذ ورقابة واضحة. وهذا حق طبيعي للجهة المموِّلة، لا انتقاص فيه من الأخوّة.

 

السؤال، إذاً، ليس ماذا حمل الوفد الإماراتي للبنان فقط، بل ماذا أعدّ لبنان لاستقباله؟ وهل كان لدى الوزارات ومجلس الإنماء والإعمار و«إيدال» والهيئات الاقتصادية سلّة موحدة من المشاريع الناضجة، أم أن كل طرف عرض أفكاراً متفرقة بلا أرضية قانونية ولا جهة قرار؟

 

الإمارات تملك المال والخبرة والقدرة على التنفيذ، ولبنان يملك حاجات ضخمة وفرصاً واعدة. وما ينقص هو دولة تحسم، وإدارة تسهّل، وقضاء يحمي العقود، وقرار يطارد الفساد بدل أن يحميه. فإذا انتهت الزيارة إلى لجان فضفاضة ووعود مؤجلة، نكون قد أضعنا فرصة عربية ثمينة. وعندها لن يبقى من المشهد سوى «بوس اللحى»؛ أما التفاصيل، فستغرق مجدداً في لجج المماطلة والبيروقراطية وسرطان الفساد.