Beirut weather 31 ° C
تاريخ النشر August 28, 2026
A A A
الوسطاء يرسمون طريق العودة إلى التفاهم

كتب ناصر قنديل 

لا يمكن فصل زيارة رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني إلى طهران عن الحراك الدبلوماسي المتسارع الذي سبقها. ففي مطلع الأسبوع زار قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير إيران، وتبعه وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، قبل أن يصل رئيس الوزراء القطري. نحن إذاً أمام سلسلة مترابطة من الزيارات، لا أمام تحرّكات منفصلة فرضتها العلاقات الثنائية، خصوصاً أن الدول الثلاث لعبت، بدرجات مختلفة، أدواراً في نقل الرسائل بين واشنطن وطهران.

 

– تلفت البداية الباكستانية الانتباه إلى أن واشنطن أرادت أولاً الاستماع إلى قراءة عسكرية وسياسية مباشرة لما يجري في إيران والمنطقة. فعاصم منير ليس مجرد قائد جيش لدولة مجاورة، بل أحد أبرز المسؤولين الباكستانيين اتصالاً بالإدارة الأميركية، وقائد المؤسسة الأكثر تأثيراً في القرار السياسي والأمني في بلاده. وزيارته طهران تعني أن الرسائل المتبادلة لم تقتصر على شروط التفاوض، بل شملت تقدير الموقف الميدانيّ، وحدود قدرة الطرفين على مواصلة التصعيد، والمخاطر التي يمكن أن تصيب باكستان والخليج إذا عادت الحرب. ولم يعُد خافياً أنه وصل إلى طهران بطلب أميركي مباشر عبر اتصال قام به الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالجنرال الباكستانيّ طالباً منه استخدام نفوذ باكستان مع إيران لإعادة مسار التفاوض، كما قال الإعلان الباكستاني عن الزيارة، وهذا كافٍ لفهم محدوديّة معنى تصريحات ترامب عن أنه لا يسعى إلى التفاوض مع إيران ولا يريد الاجتماع بمسؤوليها.

 

– جاءت بعد ذلك زيارة البوسعيدي، وما رافقها من الإعلان عن الاتفاق العُماني الإيراني حول مضيق هرمز، بما يقدّم حلاً عملياً لنقطة الخلاف التي فجّرت مذكرة التفاهم والمتصلة بما نصت عليه المادة الخامسة من المذكرة، على خلفية رهان أميركي بتوظيف عُمان لمنافسة إيران على المضيق وإفساد إمساكها به كورقة استراتيجيّة، لتعود عُمان وتثبت هذه المكانة تحت عنوان الإدارة المشتركة بالاتحاد لا بالانفراد، وإغلاق المسار الجنوبيّ، ونظراً لما تمثله عُمان من قناة تقليدية موثوقة بين إيران والولايات المتحدة. ومهمة وزير الخارجية العُماني ليست استكشاف إمكان التفاوض من الصفر، بل مناقشة ما تمّ التوصل إليه، وتحديد نقاط الخلاف المتبقية، واختبار الصيغ الممكنة لإعادة تشغيل المسار السياسي. ولذلك حملت الزيارة دلالة على أن الاتصالات تجاوزت مرحلة جسّ النبض، ودخلت مرحلة مناقشة المقترحات العملية.

 

– أما وصول رئيس الوزراء القطريّ، بمستواه السياسي المرتفع، فيحمل إشارة إضافية إلى وجود نية للوصول إلى اتفاق سريع. فعندما يكون المطلوب نقل رسالة أولية، يكفي مبعوث أو وزير دولة للشؤون الخارجية. لكن انتقال الملف إلى مستوى رئيس حكومة يعني أن البحث يتناول ضمانات والتزامات وترتيبات تحتاج إلى قرار سياسي، وربما إلى توزيع أدوار بين الوسطاء. وقطر تمتلك علاقات قويّة مع واشنطن، وقنوات مفتوحة مع طهران، وخبرة في إدارة المفاوضات المعقدة، وسبق لها أن وضعت اللمسات الأخيرة التي أفضت إلى مذكرة التفاهم، إضافة إلى مصلحة مباشرة في منع تجدّد الحرب وفي استعادة أمن الملاحة والطاقة في الخليج.

 

– هذا الحراك يكشف الفارق بين الخطاب الأميركي العلني وما يجري خلفه. فالرئيس دونالد ترامب يرفع سقف الكلام، ويكرّر التهديد، ويتحدث عن العقوبات والحصار وفتح مضيق هرمز، لكن الوسطاء يتحرّكون بسرعة غير معهودة بين واشنطن وطهران. ولو كانت الإدارة الأميركيّة قد حسمت خيار إسقاط التفاوض والذهاب إلى مواجهة مفتوحة، لما احتاجت إلى هذا التتابع المنظم لزيارات مسؤولين باكستانيين وعُمانيين وقطريين.

 

– لا يعني ذلك أن الاتفاق أصبح جاهزاً، بل إن الطرفين أدركا حدود البدائل. واشنطن لم تحقق بالحرب ما أعلنته من أهداف، ولم تستطع فرض الاستسلام الإيراني أو فتح هرمز بالقوة. كما لم تؤدِّ العقوبات الجديدة إلى الانهيار السريع الذي روّج له مؤيّدوها. بقيت حركة الملاحة محدودة، واستمرّ النفط عند مستويات تسعير مرتفعة، وظلت الصين وروسيا ودول الجوار تشكل منافذ لا تستطيع واشنطن إغلاقها من دون توسيع المواجهة الاقتصادية والسياسية.

 

– في المقابل، تعرف إيران أن استمرار إغلاق المضيق وارتفاع أسعار الطاقة يمنحها أوراق قوة، لكنه يحمل أيضاً أكلافاً اقتصادية وأمنية متراكمة. ولذلك تبدو مستعدة لاستخدام أوراقها للوصول إلى اتفاق يحفظ حقوقها ويرفع العقوبات، لا للتخلي عنها مجاناً. وما يريده الوسطاء هو تحويل التوازن السلبي المتبادل إلى تسوية، أميركا لا تستطيع فرض شروطها بالقوة، وإيران لا تريد حرب استنزاف مفتوحة ما دام ممكناً تثبيت مكاسبها في تفاهم سياسيّ.

 

– يمكن هنا فهم توزيع الأدوار. باكستان تنقل التقدير العسكريّ ومخاطر الانفجار الإقليمي. عُمان تتولى صياغة القناة التفاوضية ومناقشة تفاصيل التفاهم. وقطر تدخل بثقلها السياسي وعلاقتها الخاصة بالإدارة الأميركية لتقريب القرار النهائي، وربما للمساهمة في الضمانات والآليات المالية وترتيبات الطاقة والملاحة.

 

– زيارة رئيس الوزراء القطريّ لا تثبت وحدها أن الاتفاق بات وشيكاً، لكنها تثبت أن التفاوض يتحرّك أسرع بكثير مما يوحي به خطاب ترامب. فالضجيج الأميركي موجّه إلى الداخل وإلى الحلفاء، أما حركة الوسطاء فتكشف الحاجة الفعلية إلى مخرج. وكلما ارتفع مستوى الزائرين وتسارع تواتر الزيارات، أصبح واضحاً أن البحث لم يعد في إمكان العودة إلى التفاوض، بل في شروط هذه العودة وصيغتها وتوقيتها.

 

– الخلاصة أن الدوحة لم تدخل على خط أزمة ساكنة، بل وصلت في لحظة انتقال من تبادل الرسائل إلى صناعة القرار. وما بدأ مع عاصم منير كتقدير للميدان، وانتقل مع البوسعيدي إلى مناقشة الصيغة، بلغ مع رئيس الوزراء القطري مستوى البحث عن تسوية قابلة للإعلان. وبين صخب ترامب وحركة الوسطاء، تبدو الوقائع أقرب إلى تفاوض سريع منها إلى حرب جديدة.