Beirut weather 31 ° C
تاريخ النشر August 28, 2026
A A A
مانشيت “الأنباء”: واشنطن تريد إنهاء دور “اليونيفيل”..
الكاتب: الأنباء الالكترونية

يواصل العدو الإسرائيلي في الجنوب، سياسة القضم بالنار والتوغّل والتهديد، فيما يستمر السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى بتحميل “حزب الله” مسؤولية الحرب وعدم تسليمه السلاح، ويلوم اللبنانيين على مطالبتهم بوقف العدوان من دون مطالبة الحزب بتقديم التنازلات للدولة. وبين ضغط العدوان الهمجي وضغط الدبلوماسية الأميركية، يحاول لبنان فتح نافذة على المستقبل عبر مؤسسات الدولة، وعبر الدعم العربي الذي حملته زيارة الوفد الإماراتي الاقتصادي، في مشهد يلخّص بدقة المأزق اللبناني: دولة تريد أن تستعيد قرارها، والسلاح خارجها ما زال عنواناً للخلاف، وإسرائيل بغطاء أميركي تستخدم هذا الانقسام ذريعة للاستمرار في العدوان.

 

في هذا السياق، لا يمكن فصل السجال حول تصريحات الشيخ حكمت الهجري عن المعركة الأوسع على هوية الدروز وموقعهم الوطني. فالكلام المرفوض الذي اعتبر فيه الدروز “جزءاً لا يتجزأ من دولة إسرائيل” لم يمرّ مرور الكرام، بل استدعى اعتراضات واسعة، من عضو “اللقاء الديمقراطي” النائب وائل أبو فاعور إلى الحركة الوطنية في الجولان السوري المحتل، وغيرهما من المواقف التي أكدت تمسكها بالانتماء العربي السوري ورفضها اختزال تاريخ الدروز ومواقفهم الوطنية في خطاب فردي.

 

وكان كلام أبو فاعور شديد الوضوح، حين وصف كلام الهجري بأنه يتجاوز الهذيان إلى “الخيانة لهوية المسلمين الموحدين العرب الدروز”، مؤكداً أن التاريخ سيلعن أنصاره وقائليه. وبعيداً عن قسوة التوصيف، فإن جوهر الاعتراض يتوقف عند مسألة مهمة “لا يجوز تحويل مأساة السويداء والجرائم التي ارتكبت بحق المدنيين إلى مدخل لتغيير هوية جماعة عربية عريقة أو تسويق فكرة أن حماية المكوّنات تمر عبر الارتهان لقوة احتلال”.

 

وهنا تكتسب مواقف الرئيس وليد جنبلاط دلالتها، خصوصاً تحذيره المستمر من محاولات تزوير الانتماء التاريخي للدروز وربط مستقبلهم بمشاريع إقليمية تتناقض مع جذورهم العربية والوطنية. فالمطلوب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، حماية الدروز من تحويلهم إلى ورقة في صراع الآخرين، سواء في سوريا أو لبنان أو الجولان المحتل. فالهوية الوطنية لا تُمنح من الخارج، ولا تُبنى على حماية قوة احتلال.

 

ومن هنا أيضاً جاءت تغريدة جنبلاط رداً على السفير الأميركي، بعد زيارته شيخ العقل الشيخ الدكتور سامي أبي المنى. فجنبلاط لم يترك كلام السفير حول موقفه من “الإطار الثلاثي” من دون رد، مؤكداً رفضه الوثيقة، ومشدداً على ضرورة استبدالها باتفاقية الهدنة التي نص عليها اتفاق الطائف والقرار 1701، باعتبارها مستنداً قانونياً دولياً يحفظ حق لبنان بالأرض والسيادة عليها.

 

واللافت أن لقاء شيخ العقل بالسفير الأميركي حمل موقفاً واضحاً في الاتجاه نفسه. فقد أكد الشيخ أبي المنى أن هوية الموحدين الدروز “راسخة بجذورها العربية والإسلامية”، وأنهم شركاء في بناء الدولة اللبنانية. كما حذّر من المشروع الإسرائيلي القائم على الهيمنة والقضم والتوسع، معتبراً أن السلام لا يمكن أن يقوم على احتلال الأرض وانتهاك السيادة والقرارات الدولية.

 

لكن الجنوب كان، في المقابل، يقدم الدليل الميداني على خطورة تجاهل هذه التحذيرات. فالغارات الإسرائيلية طالت عربصاليم والنبطية الفوقا ومناطق أخرى، وسقطت ضحية وعدد من الجرحى، بالتزامن مع توغلات إسرائيلية في ميس الجبل وكفرشوبا وتحركات عسكرية في المنصوري ووادي حسن. وحتى إذا كانت إسرائيل تقول إن عملياتها تأتي رداً على مسيّرات أُطلقت باتجاه قواتها في مرتفعات علي الطاهر، فإن حجم الرد واتساعه وطبيعة التوغلات يؤكد أن المسألة تتجاوز “الرد” إلى فرض وقائع ميدانية جديدة.

 

وهنا تحديداً تبدو صوابية التحذير الذي أطلقه جنبلاط من أهداف إسرائيل في الجنوب. فهي لا تتصرف وكأنها تنتظر فقط ضمانات أمنية لبنانية، بل تستفيد من استمرار الاشتباك ومن أي خرق للقرار 1701 لتثبيت وجودها العسكري وتوسيع هامش حركتها. ومن الخطأ أن يتحول السلاح غير الشرعي إلى حجة دائمة تمنح إسرائيل شيكاً مفتوحاً للعدوان، كما أن من الخطأ المقابل الاعتقاد أن انسحاب إسرائيل يمكن أن يكون مشروطاً بتنازلات لبنانية تمس السيادة.

 

وفي هذا المناخ جاء كلام السفير عيسى ليزيد من الضغط باتجاه تسليم سلاح “حزب الله”، لكنه يؤكد أن واشنطن تربط الضغوط التي تقول انها تمارسها على إسرائيل بموقف الحزب وتنازلاته. وهنا تكمن العقدة: لبنان يريد دولة كاملة السيادة، لكن إسرائيل لا تستطيع أن تكون الطرف الذي يحدد شروط هذه السيادة، على الرغم من أن أي سلاح خارج الدولة يبقى ثغرة في بنيان السيادة.

 

لذلك، تبدو دعوة جنبلاط للعودة إلى الهدنة والقرار 1701 أكثر من مجرد موقف تفاوضي؛ إنها محاولة لإعادة تعريف القضية من معادلة “سلاح مقابل انسحاب” إلى معادلة دولة في مواجهة دولة، وحدود معترف بها، وسيادة لا تخضع للابتزاز.

 

وفي الداخل، كان رئيس الجمهورية جوزاف عون يضع المسألة في إطارها الأشمل. ففي احتفال الأمن العام بعيده الحادي والثمانين، تحدث بوضوح عن “صراع داخلي بين من هو نقيض الدولة وبيننا نحن”، مؤكداً أن هناك من يرفض سيادة الدولة ويعتاش على غيابها. أهمية كلام عون أنه لا يأتي من موقع السجال السياسي، بل من موقع رئاسة الجمهورية، وفي لحظة تحتاج فيها المؤسسات الأمنية إلى دعم سياسي وشعبي كي تستعيد الدولة حضورها الكامل.

 

وفيما لبنان الرسمي يؤكد أهمية التمديد لقوات “اليونيفيل” أو استبدالها بقوات دولية أخرى، أكد المتحدث باسم الخارجية الأميركية أن واشنطن لا تؤيد تمديد ولاية “اليونيفيل” بعد 31 كانون الأول 2026، معتبرًا أنها فشلت في منع النزاعات أو الحد من بناء حزب الله بنيته العسكرية. وقال إن “الإطار الثلاثي” يشكل بديلًا قائمًا على خطوات وشروط واضحة لتحقيق الأمن والعلاقات السلمية بين لبنان وإسرائيل، مشددًا على أن أي وجود دولي جديد يجب أن يرتبط بأهداف محددة، أبرزها نزع سلاح حزب الله، دعم الجيش اللبناني وتعزيز سيادة الدولة، لا أن يكون مهمة مفتوحة وغير فعالة.

 

أما إقليمياً، فالصورة أكثر خطورة. الرئيس الأميركي دونالد ترامب يعلن أن مضيق هرمز مفتوح وأن القوات الأميركية أزالت الألغام، فيما تهدد واشنطن بخنق إيران اقتصادياً، وتؤكد الأخيرة في المقابل أنها ليست في موقع ضعف وأن من حقها الدفاع عن نفسها.

 

وفي السياق، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت، إن الولايات المتحدة وإيران لا تجريان حالياً أي محادثات لإنهاء الحرب، في الوقت الذي قالت فيه باكستان، إنها ترى “زخماً” في الجهود الدبلوماسية الجارية في المنطقة.

 

وأضافت ليفيت، في تصريحات لقناة “فوكس نيوز” أن هدف ترامب الأول هو ضمان ‌ألا تتمكن إيران من امتلاك سلاح نووي، وسيظل كذلك، ولذلك، نفذنا عملية “ملحمة الغضب” لتدمير جيشهم. ‌والآن لدينا عملية لتدمير اقتصادهم”.

 

وفي زمن تتصارع فيه المنطقة على خرائط النفوذ، تبقى المعركة اللبنانية الأساسية أبسط وأصعب في آن: أن يكون لبنان دولة، لا ساحة؛ وأن يكون القرار في بيروت، لا في أي عاصمة أخرى.