Beirut weather 31 ° C
تاريخ النشر August 28, 2026
A A A
السفراء في لبنان… صيف وشتاء فوق سطح واحد؟..

كتبت حسناء سعادة 

ليس المطلوب الدفاع عن السفير الإيراني، ولا تبرير أي موقف أو تصريح صدر عنه.

 

بل على العكس، فإن المبدأ واضح السفير المعتمد في لبنان مهمته تمثيل بلاده، وليس ممارسة دور سياسي في الحياة الداخلية اللبنانية أو تقييم قرارات الدولة اللبنانية.

 

وقد اتخذت الدولة اللبنانية، في آذار الماضي، قراراً بسحب اعتماد السفير الإيراني محمد رضا شيباني وإعلانه شخصاً غير مرغوب فيه، على خلفية ما قالت وزارة الخارجية إنه مخالفة لموجبات العمل الدبلوماسي والتدخل في الشؤون الداخلية، واستندت الوزارة إلى اتفاقية فيينا التي تحظر على الدبلوماسيين التدخل في الشؤون الداخلية للدولة المضيفة.

 

من هنا، يمكن تفهّم موقف الدولة اللبنانية إذا كان الهدف منه تثبيت قاعدة سيادية واضحة: “لا يحق لأي سفير أن يتدخل في شؤون لبنان الداخلية، أياً كانت الدولة التي يمثلها”.

 

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل هذه القاعدة تطبق على الجميع؟

 

إذا كان تدخل السفير الإيراني في الشأن اللبناني مرفوضاً، فهل يصبح تدخل سفير دولة أخرى مقبولاً عندما يتناول ملفات لبنانية شديدة الحساسية؟ وهل يحق لسفير أجنبي أن يحدد للبنانيين ماذا يفعلون، وكيف يتخذون قراراتهم، وما الذي يجب أن يكون عليه مستقبل بلدهم؟

 

وهنا لا يمكن تجاهل ما صدر عن السفير الأميركي ميشال عيسى من مواقف تناولت ملفات لبنانية داخلية شديدة الحساسية، وصولاً إلى قوله إن “لبنان يقرر مصيره من دون أي تدخل… ونحن نقرر أيضاً”، بحسب ما نقلت عنه وسائل إعلامية، كما صدرت عنه مواقف مرتبطة بملف سلاح حزب الله والمفاوضات والخيارات اللبنانية.

المشكلة إذاً ليست في إيران وحدها، ولا في الولايات المتحدة وحدها، ولا في أي سفير بعينه.

 

المشكلة في المبدأ.

 

لبنان لا يحتاج إلى وصايات جديدة، لا بالوكالة ولا بالأصالة، ولا يحتاج إلى سفراء يتحولون إلى لاعبين سياسيين، يلتقون المسؤولين والقيادات، ويطلقون المواقف حول خيارات اللبنانيين، وكأن البلد مساحة مفتوحة لتبادل النفوذ والرسائل.

 

من حق كل دولة أن تحافظ على مصالحها وأن تتواصل مع الدولة اللبنانية، ومن الطبيعي أن يلتقي السفراء المسؤولين والسياسيين ضمن الأطر الدبلوماسية، لكن هناك فارقاً كبيراً بين التواصل الدبلوماسي وبين إعطاء التعليمات، وبين إبداء الرأي وبين التدخل، وبين العلاقات الدولية وبين محاولة رسم القرار الداخلي.

 

 

لذلك، فإن المطلوب ليس طرد سفير هنا أو السكوت عن سفير هناك، بل وضع معيار واحد للجميع.

 

إذا كانت السيادة اللبنانية خطاً أحمر، فلتكن كذلك أمام الجميع.

 

وإذا كان التدخل في الشؤون الداخلية مخالفة، فلتكن المخالفة واحدة، أياً كان اسم السفير أو علم الدولة التي تقف خلفه.

 

أما أن يكون هناك سفير ممنوع من الكلام، وآخر مسموح له أن يصول ويجول على المسؤولين ويطلق المواقف في الملفات الداخلية، فهذه ليست سيادة مكتملة، بل صيف وشتاء فوق سطح واحد.

 

لبنان الذي يرفض الوصاية الإيرانية لا يمكنه أن يستبدلها بوصاية أميركية، والذي يرفض الوصاية الأميركية لا يجوز أن يقبل بالوصاية الإيرانية.

 

السيادة لا تتجزأ، والاستقلال لا يقاس بحسب هوية المتدخل.

 

المطلوب ببساطة: علاقات ندية مع الجميع، احترام متبادل مع الجميع، وقرار لبناني يصنعه اللبنانيون.

 

وصايات بالجملة والمفرق والمشكلة ليست في سفير بعينه، بل في ازدواجية المعايير التي تسمح لهذا وتمنع عن ذاك فيما المطلوب

 

لا للتدخل، أياً كان مصدره.