Beirut weather 29 ° C
تاريخ النشر August 27, 2026
A A A
إدمان العيش داخل الكذبة
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”:

ليست المشكلة مع النخب اللبنانية والعربية التي تدافع اليوم عن فشل التفاوض، وفشل النموذج السوري، وفشل الحرب الأميركية، وفشل موجة العقوبات، أنها أخطأت في توقعاتها. فالخطأ في السياسة وارد، ومراجعة الرهانات عند ظهور النتائج فضيلة. المشكلة أن هذه تنكر اليوم الرهانات التي بنت عليها خطبها الأصلية، ثم تخترع لكل فشل تفسيراً جديداً لم يخطر أحياناً ببال الرئيس دونالد ترامب نفسه.

في لبنان، لم يكن الرهان الذي سوّقه دعاة التفاوض مجرد الجلوس إلى الطاولة، ولا كان الاتفاق هدفاً قائماً بذاته. كانت النظرية واضحة ومعلنة: إن مجرد قبول لبنان بالتفاوض وتوقيع اتفاق برعاية أميركية سوف يدفع واشنطن إلى انتزاع قرار إسرائيليّ بالانسحاب، ولو جزئياً. وكان المطلوب الحصول على مشهد واحد تظهر فيه آليات الاحتلال وهي تغادر، وتنتشر مكانها وحدات الجيش اللبناني، كي تستخدمه السلطة دليلاً على نجاح خيارها. وكان الحساب أن تستطيع السلطة القول للبنانيين: ها هو التفاوض يستعيد الأرض من دون مقاومة، وها هي الضمانة الأميركية تحقق ما عجز عنه السلاح. وعندها تمتلك الصور اللازمة للاستقواء بالرأي العام والضغط على المقاومة، تحت عنوان أن سلاحها فقد وظيفته، وأن الدولة استعادت وحدها السيادة والأرض.

فماذا حدث؟ لقد وُقّع اتفاق الإطار في 26 حزيران قبل ثلاثة شهور كاملة، وعُقدت جولات واشنطن وروما، وجرى الترويج لما سُمّي «المناطق التجريبية». لكن “إسرائيل” رفضت منح السلطة اللبنانية حتى صورة انسحاب جزئيّ يمكن استثمارها سياسياً. لم تتوقف الغارات والاغتيالات، ولم يصدر جدول زمني ملزم للانسحاب، ولم تستعد الدولة أرضاً محتلة. وبدلاً من أن يأتي الانسحاب مكافأة على توقيع الاتفاق، صار الاحتلال يطالب بالمزيد من الخطوات اللبنانية قبل أن يناقش تنفيذ أي التزام إسرائيلي. وعندما سقط الرهان، لم يقل أصحابه إن حساباتهم فشلت، بل أنكروا أنهم راهنوا أصلاً على انسحاب سريع، وانتقلوا إلى القول إن التفاوض يحتاج إلى وقت، وإن على لبنان تقديم المزيد، وإن المشكلة ليست في “إسرائيل” ولا في الضمانة الأميركية، بل في المقاومة التي لم تمنح التفاوض فرصته الكاملة.

وفي سورية، قامت الفكرة الأصلية على فرضية لا تقل وضوحاً: إن إخراج سورية من محور المقاومة سوف يوقف القصف الإسرائيلي الذي كانت تتعرّض له بسبب موقعها في هذا المحور. قيل إن المشكلة ليست في الأطماع الإسرائيلية، بل في علاقة دمشق بإيران والمقاومة، وإن تغيير التموضع السوري والارتماء في الحضن الأميركي، مع رعاية تركية وسعودية، سوف ينقل سورية من ساحة مواجهة إلى دولة تحظى بالحماية والاعتراف والاستقرار. لكن سورية انتقلت، وفق المثل الشعبي، من تحت الدلفة إلى تحت المزراب. فما لم تكن “إسرائيل” تجرؤ على فعله في زمن وجود سورية في محور المقاومة، صارت تفعله اليوم بصورة أشدّ اتساعاً، وبمبالغة متعمدة في الإذلال. قصفت وزارة الدفاع والمقر الرئاسي، ووسعت احتلالها في الجنوب، وأعلنت نيتها البقاء في جبل الشيخ، ورفضت أي حديث عن الجولان، وواصلت الغارات وصولاً إلى أبو الظهور، وقدمت نفسها وصية على التركيبة الأمنية والسياسية السورية.

لم يحمِ الارتماء في حضن وعطور الرئيس دونالد ترامب سورية، ولم تتحوّل الرعاية التركية السعودية إلى مظلة سيادية، ولم تكافئ “إسرائيل” دمشق على خروجها من محور المقاومة. بل قرأت “إسرائيل” التحول السوري باعتباره سقوطاً لقوة الردع وغياباً لاحتمال الرد، فانتقلت من قصف أهداف محددة إلى التصرف كقوة وصاية تقرر أين ينتشر الجيش السوري، وما السلاح الذي يمتلكه، ومن يحق له الوجود في الجنوب. وعندما سقط الرهان، أنكر أصحابه أيضاً أنهم وعدوا بوقف الغارات. صاروا يقولون إن “إسرائيل” كانت ستفعل أكثر لولا السياسة الجديدة، وإن التفاوض يحتاج إلى وقت، وإن سورية لا تزال تدفع ثمن المرحلة السابقة. وبدلاً من مساءلة النموذج الذي جرّد الدولة من قوة الردع من دون أن يستعيد أرضها، يطالبون بمزيد من الارتماء في الخيار نفسه.

وفي الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، كان الرهان الأصلي أكثر صخباً. منذ الأيام الأولى، سوّق مؤيّدو الحرب صورة القوة الأميركية الخارقة، وبنوا توقعاتهم على معادلة بسيطة: بضعة أيام ويسقط النظام الإيراني، أو يرفع الراية البيضاء ويعلن الاستسلام. لم يكن حديثهم يومها عن إضعاف إيران أو إلحاق الخسائر بها. كان الحديث عن حسم سريع، وانهيار النظام، وتدمير القدرة الصاروخيّة، وفتح مضيق هرمز بالقوة، وفرض الشروط الأميركية كاملة. لكن الأيام تحوّلت إلى أسابيع وشهور، فلم يسقط النظام ولم يعلن الاستسلام، ولم يُفتح هرمز وفق الإرادة الأميركية، ولم تتحوّل الغارات إلى انتصار سياسي.

ثم جاءت مذكرة التفاهم لتشكل انتصاراً إيرانياً كاملاً، وفق ما قاله أغلب هؤلاء أنفسهم، وما قالته “إسرائيل” ونخب أميركية كثيرة. فقد حفظت المذكرة لإيران حق التخصيب، وأخرجت الصواريخ والمقاومة من البحث، وربطت فتح هرمز برفع العقوبات وترتيبات سياسية وأمنية أوسع في مقدّمتها وقف حروب “إسرائيل” على لبنان والمنطقة. ولذلك وُصفت المذكرة في “إسرائيل” بأنها استسلام أميركي أمام إيران، قبل أن ينقلب ترامب عليها ويحاول التنصل منها.

وعندما جرى الانقلاب على المذكرة، كان العارفون بحقائق الميدان يعترفون باستحالة مواصلة الخيار العسكري. نقص الذخائر، وارتفاع كلفة الحرب، وتعطّل الملاحة، وصعود أسعار الطاقة، وعجز القوة النارية عن إنتاج نتيجة سياسية، كلها دفعت واشنطن إلى الانتقال من الحرب إلى العقوبات. لكن دعاة الرهان الأعمى تصرفوا كأنهم لم يقولوا يوماً إن النظام سيسقط خلال أيام. محوا الرهان الأول من الذاكرة، وبدأوا يتحدثون عن العقوبات كأنها تُفرض على إيران للمرة الأولى. وظهرت فوراً نبوءات المجاعة، وانهيار العملة، وانفجار الشارع، وسقوط النظام تحت وطأة الحصار. فلا حدثت المجاعة، ولا انهارت الدولة، ولا تحوّلت الصدمة الأولى في سوق الصرف إلى انهيار متواصل. امتصت إيران الصدمة، واستمرّت الصين في شراء نفطها، وبقيت أمامها طرق روسيا وتركيا وباكستان والعراق. واتضح أن نجاح العقوبات لا يحتاج إلى قرار أميركي ضد إيران وحدها، بل إلى قدرة واشنطن على فرض قطيعة معها على الصين وروسيا ودول الجوار، وهي قدرة لا تملكها.

مرة أخرى، لم يراجع أصحاب الرهان موقفهم. قالوا إن العقوبات تحتاج إلى وقت، وإن الانهيار آتٍ، وإن كل يوم تصمد فيه إيران ليس دليلاً على فشل الحصار، بل مقدّمة لانفجار أشد. وإذا لم يقع الانفجار غداً، يؤجلونه إلى الأسبوع المقبل، ثم إلى الشهر المقبل، ويبقى الوعد قائماً لأن الاعتراف بالفشل ممنوع.

لهؤلاء نصيحة بأن يستمعوا صباحاً ومساءً إلى تسجيل خطاب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في دافوس. فهو لم يتحدّث بلسان خصم للغرب، بل بلسان رئيس حكومة دولة حليفة لأميركا، ورجل ترأس مصرفَي كندا وإنكلترا المركزيين ويعرف النظام الغربي من داخله. وقد استعاد كارني تعبير فاتسلاف هافل، «العيش داخل الكذبة». فقوة النظام لا تأتي من صدق روايته، بل من استعداد الجميع للتصرف كما لو كانت صحيحة. وحين يتوقف شخص واحد عن أداء دوره وإنزال اللافتة التي لا يؤمن بما كتب عليها، يبدأ الوهم بالتصدّع.

لكن بعض النخب اللبنانية والعربية تجاوز مرحلة العيش داخل الكذبة إلى إدمانها. راهنت على أن التفاوض سيأتي بالانسحاب فبقي الاحتلال. وراهنت على أن إخراج سورية من محور المقاومة سيوقف الغارات فتوسّع القصف والاحتلال. وراهنت على إسقاط إيران خلال أيام فلم تسقط ولم تستسلم. ثم راهنت على المجاعة وانهيار العملة فلم تقع هذه ولا تلك. وفي كل مرّة لا يسقط الرهان فقط، بل تسقط معه الذاكرة. ينكرون ما قالوه بالأمس، ويخترعون وعداً جديداً للغد، ويواصلون أداء الدور نفسه في مسرحية انتهت.

المطلوب منهم ليس أن يغيّروا رأيهم في المقاومة أو إيران أو أميركا، بل أن يتحلوا بالحد الأدنى من الأمانة، أن يضعوا رهاناتهم الأصليّة إلى جانب نتائجها، وأن يجيبوا عن سؤال واحد: قلتم إن هذا سيحدث، فلماذا حدث نقيضه؟ عندها فقط يخرج النقاش من العيش داخل الكذبة إلى العيش مع الحقيقة.