Beirut weather 34 ° C
تاريخ النشر August 22, 2026
A A A
افتتاحية “الجمهورية”: إسرائيل من تعطيل «الإطار» إلى التصعيد وزيارة حكومية للجيش جنوباً: الدولة أولاً
الكاتب: الجمهورية

الجنوب جمر تحت رماد حارق، وحرارته ترتفع بصورة خطيرة، والمخاوف تتزايد من اقترابها من لحظة انفجار واسع، تتراكم عوامله مع السخونة المتزايدة للإعتداءات الاسرائيلية على امتداد المساحة الجنوبية، والتكثيف الملحوظ لعمليات النسف والتجريف والإحراق للقرى والبلدات، والأخبار التي تسبح في الأجواء، حول تحضيرات إسرائيلية لعملية هجومية على تلة علي الطاهر، فيما الأفق السياسي والديبلوماسي يراوح في دائرة جمود، يبدو انّه طويل الأمد، فلا محاولات جدّية لصبّ الماء على الجمر المشتعل قبل غليانه، ولا مؤشرات حول إمكان إعادة تحريك المسار السياسي في المدى المنظور، ولا مبادرات جدّية لكسر هذا الإنسداد، ولا طريق معبّداً بالتسهيلات أمام جولة مفاوضات جديدة تُخرجها من الدوران في الحلقة المفرغة، وترفع قبضة المماطلة الإسرائيلية عن «صيغة الإطار»، وتعيد وضع هذا الاتفاق على سكة التنفيذ والانتقال إلى مراحل تجريبيّة جديدة.

 

 

 

لقاءات عون في إيطاليا

التقى رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، في جنوب إيطاليا، رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، وبحث معها العلاقات اللبنانية ـ الإيطالية وسبل تعزيزها، إلى جانب التطورات في لبنان والمنطقة، ولا سيما الوضع في الجنوب في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية. وشكر عون إيطاليا على دعمها للبنان ودورها في استضافة المفاوضات الثلاثية، مؤكداً أهمية الضغط على إسرائيل للالتزام بصيغة الإطار التي تم التوصل إليها في واشنطن. كما تناول البحث دور إيطاليا في تثبيت الأمن والاستقرار، ومرحلة ما بعد انتهاء ولاية «اليونيفيل» في الجنوب. وكان عون قد التقى الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا، وبحث معه العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية.

 

 

 

تقديرات تصعيدية

الرياح الإسرائيلية عاصفة بعوامل التصعيد، التي فرضت في الساعات الاربع والعشرين الماضية زناراً نارياً بالقصف والغارات وعمليات النسف والإحراق على امتداد المنطقة الجنوبية، بدءاً من قرى جنوب الليطاني وصولاً إلى منطقة صور وامتداداً حتى منطقة النبطية، وتركّزت بصورة خاصة على تلة علي الطاهر ومحيطها. ووفق تقدير مسؤول كبير عبر «الجمهورية»، فإنّ «المنطقة تبدو وكأنّها دخلت في دائرة الخطر الشديد، والمخاوف بلغت ذروتها على امتداد كل المنطقة. وإذا ما تمعنا في الأجواء السائدة من لبنان إلى سائر الجبهات، سيتبدّى أمامنا جلياً انّ المنطقة تترنّح بصورة مخيفة جداً على حافة تصعيد واسع، وينبغي هنا الّا نُخرج من حسباننا التمهيد الإسرائيلي لعدوان، والتي تأتي على شاكلة تقديرات تصعيدية، يعكف الإعلام العبري على الترويج لها، بضخ تحليلات لمعلقين عسكريين وأخبار تُبرز ما يسمّيها تحضيرات للجيش الإسرائيلي اكتملت او شارفت على الاكتمال، تمهيداً لعمل عسكري هجومي كبير، وتحديداً على تلة علي الطاهر».

 

 

 

اتصالات ولا تطمينات

في موازاة هذه المراوحة تحت النار، يكشف مسؤول رفيع لـ«الجمهورية» عن حركة اتصالات عسكرية، وَعَد الجانب الأميركي بإجرائها مع الإسرائيليين، القصد منها احتواء الموقف، وخفض التوتر ومنع انزلاق الامور إلى تصعيد واسع. وقد صرّح الموفدون الأميركيون بوضوح عن رغبة إدارة الرئيس دونالد ترامب في إبقاء الأمور في الجنوب اللبناني في نطاق السيطرة، أي مضبوطة تحت سقف التهدئة، ولكن حتى الآن، والكلام للمسؤول الرفيع، لم تبرز أي تطمينات معاكسة لاحتمالات التصعيد».

على انّ انسداد الأفق السياسي والديبلوماسي، تقابله تقديرات تلتقي عليها جهات سياسية وأمنية، وتتحدث عن وضع أمني في جنوب لبنان مفتوح على مفاجآت، وتحذّر من تمدّد شرارات الجمر الكامن تحت تلة علي الطاهر، إلى مساحات او ساحات وجبهات أبعد من نطاقها الجغرافي.

 

 

 

إسرائيل تريد التصعيد

وبالتزامن مع المخاوف والتحذيرات من أن يتدرّج التصعيد الإسرائيلي، اذا ما حصل، إلى انفلات يستعيد أجواء الحرب على ما كانت عليه بعد الثاني من آذار الماضي، ويوسّع بالتالي دائرة المواجهات والإستهدافات، يبدي زعيم وسطي قلقاً كبيراً مما سمّاه «تصعيداً اسرائيلياً محتملاً من لبنان إلى إيران في آن معاً، ولا أُخرج تركيا من دائرة الاحتمالات».

وأبلغ الزعيم الوسطي إلى «الجمهورية» قوله: «انّه مقتنع بأنّ فرضية الحرب، هي الأكثر قوة في هذه المرحلة، وخصوصاً انّ حاجة نتنياهو تكبر يوماً بعد يوم إلى الحرب سعياً لتغيير في ميزان الاستطلاعات التي تؤكّد تراجعه. وبالأمس تحديداً أُعلن في إسرائيل عن تراجع حاد في احتمال حصوله في انتخابات الكنيست (أواخر تشرين الثاني المقبل) على أكثرية تشكيل الحكومة الإسرائيلية».

وقال: «في اعتقادي انّ نتنياهو يفتش عن ثغرة للهروب منها إلى الأمام، حتى ولو كان ثمن ذلك مخاطرة كبيرة، والدليل انقياده قبل ايام إلى استهداف تركيا في مطار ابو الظهور. وأعتقد انّ الامور لم تنته عند هذا الحد، علماً انّ تركيا أصدرت مذكرة توقيف بحقه في ما خصّ اسطول الحرّية».

واما في لبنان وإيران، يضيف الزعيم الوسطي، «أعتقد انّ الوضع يقترب من النقطة الحرجة، وقد تناقشت مع مسؤولين أميركيين في الموضوع الأمني في جنوب لبنان، وما يُحكى عن معركة علي الطاهر، إضافة إلى ما صدر عن بعض وزراء نتنياهو من دعوات إلى قصف بيروت من جديد. وقد سمعت من هؤلاء المسؤولين بوضوح أنّ الرئيس ترامب لا يرغب على الإطلاق في انحدار الامور في جنوب لبنان إلى تصعيد. كما ناقشت موضوع صيغة الإطار وتعطيلها من قبل إسرائيل، وكانوا بالفعل مقدّرين لموقف الدولة اللبنانية برئاسة الرئيس عون وتجاوبها. الّا انّ ما جعلني أقلق أكثر من تصعيد إسرائيلي في الجنوب، هو أنني لم ألمس لدى اي من المسؤولين الأميركيين اي رغبة او استعداد لممارسة ضغط جدّي على إسرائيل، سواء في الموضوع الأمني ووقف الاعتداءات، او في موضوع صيغة الإطار».

ويلاحظ الزعيم الوسطي «انّ الحرب الاقتصادية التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب على إيران، تشكّل اعلاناً غير مباشر عن عدم رغبته في الذهاب من جديد إلى الحرب العسكرية، أي انّ الحرب الاقتصادية هي بديل الحرب العسكرية، وهذه مداها الزمني ربما يكون طويلاً جداً. وهذا الأمر معاكس بالتأكيد لرغبة إسرائيل التي تريد الاستمرار في الحرب حتى النهاية. ولذلك، ما لا استبعده هو مغامرة من قبل نتنياهو تجاه إيران، حتى ولو لم تكن واشنطن راغبة في ذلك، وخصوصاً انّ بعض المستويات العسكرية الإسرائيلية بدأت تتحدث عن اكتمال التحضيرات لتوجيه ضربة استباقية لإيران، تحت عنوان الدفاع عن الوجود، وبذريعة انّ الولاتيات المتحدة الأميركية لم تتخذ حتى الآن الخطوات التي من شأنها أن تطمئن إسرائيل على وجودها في المستقبل».

 

 

 

تصعيد غير مضمون

وحول هذه الامور، سألت «الجمهورية» مسؤولاً أمنياً رفيعاً رأيه في احتمالات التصعيد ربطاً بالانتخابات الإسرائيلية، فقال: «بعيداً من هذه الانتخابات وما يُقال عن مصلحة لنتنياهو في إشعال الحرب من جديد، فإنّ التصعيد الإسرائيلي ممكن الحصول، سواء على جبهة لبنان او جبهة إيران، ولكن قبل كل شيء، هل التصعيد الهجومي مضمون النتائج؟».

ويضيف: «الجيش الإسرائيلي يكرّر القول منذ اسابيع إنّه أعدّ الخطط وأجرى الاستعدادات والتحضيرات للهجوم على تلة علي الطاهر والسيطرة عليها وتدميرها، فلنسلّم انّ تحضيرات هذا الهجوم وتجهيزاته مكتملة، والجيش الإسرائيلي على بعد أمتار من التلة، ويُطبق عليها يومياً لا بل ساعة بساعة بالقصف والغارات، فما الذي يؤخّره حتى الآن؟ الجواب البديهي والموضوعي، انّ نتائج الهجوم غير مضمونة، والأثمان التي ستُدفع قد تكون كبيرة. اما في ما خصّ إيران، فمهما ارتفعت وتيرة التصعيد السياسي والمناوشات العسكرية من حين لآخر بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، ففي النهاية سيصل الطرفان إلى «صفقة» إن عاجلاً أم آجلاً. وتبعاً لذلك، وحتى ولو كانت إسرائيل راغبة بتوجيه ضربة لإيران، فلا أعتقد انّ واشنطن الراغبة بطي ملف الحرب،ّ وهذا ما تؤكّده النقاشات الجارية في الولايات المتحدة، بصدد مماشاة او تغطية ضربة إسرائيلية لإيران، من شأنها أن تؤدي إلى نتائج ليست في الحسبان».

 

 

 

لا موعد للمفاوضات

في سياق متصل، وعلى رغم الحديث المتداول في الأوساط السياسية عن جولة جديدة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في روما الشهر المقبل، تكون الأخيرة في هذه المرحلة، بالنظر إلى الإنهماك الإسرائيلي في انتخابات الكنيست، أكّدت مصادر رسمية لـ«الجمهورية»، انّ احتمال انعقاد جولة مفاوضات ضعيف، وأكّد ذلك ايضاً رئيس الحكومة نواف سلام بالأمس، بقوله «أن لا موعد محدداً حتى الآن لاستئناف المفاوضات».

 

 

 

تشاؤم

وربطاً بذلك، أبلغ مرجع سياسي إلى «الجمهورية» قوله: «انّ المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، ومهما قيل عن ضرورتها وأهميتها، الّا انّها لم تتقدّم ولو خطوة واحدة نحو تحقيق النتائج التي عُلّقت عليها، ولاسيما لجهة تطبيق ما سُمّي صيغة الإطار، ووفق المنوال الإسرائيلي المتبع في هذا الشأن، إضافة إلى ما هو معروف عن إسرائيل في أمور مشابهة، فمن المستبعد أن تُقدم إسرائيل على أي تنازلات مهما كان حجمها او شكلها في الملف اللبناني، سواء في هذه المرحلة او في مراحل أخرى لاحقة».

ورداً على سؤال، قال المرجع السياسي: «بالتأكيد الامور ستصبح أصعب على لبنان، فيما لو أفضت الانتخابات الإسرائيلية المقبلة إلى عودة بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الحكومة الاسرائيلية الجديدة».

 

 

 

زيارة صور

في هذه الأجواء، برزت زيارة رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الدفاع ميشال منسى إلى ثكنة بنوا بركات في صور، وفي كلمة له أمام الضباط والعسكريين، اكّد سلام «أنّ كل موقع ينتشر فيه الجيش في الجنوب هو موقع تستعيد فيه الدولة سلطتها وهيبتها»، مشدّداً على أنّ «استعادة السيادة لا تكون إلّا ببناء دولة قادرة، ولا تكون الدولة قادرة من دون جيش واحد قوي».

ولفت إلى «أنّ السيادة التي نستعيدها أمنيًا يجب ترسيخها اقتصاديًا واجتماعيًا»، وقال: «نحن نريد للجنوب، كما لكل لبنان، أن يكون تحت السلطة الواحدة، وأن يكون المواطن اللبناني فيه آمناً لأن عنده جيشاً يحميه، وأن تنعم البلاد بالاستقرار مع استعادة الدولة ومؤسساتها الدستورية لقرار الحرب والسلم».

وتوجّه سلام إلى العسكريين بالقول: «حافظوا على وحدة الجيش، ولا تسمحوا لأهواء السياسة بأن تفرّق بينكم، ولا تقبلوا إلّا بالدستور والقانون مرجعاً لكم، ولا تسمحوا لشرور الطائفية بأن تتسلل إلى صفوفكم». مضيفا: «إذا أراد اللبنانيون أن ينجحوا في إخراج البلاد من كبوتها، فلا خيار لهم سوى أن يكون لهم جيش واحد وعلم واحد ودولة واحدة».

اما الوزير منسى فقال: «زيارتنا إلى الجنوب ليست استطلاعية وتفقدية فحسب، بل نحن هنا اليوم للتأكيد على موقفنا الثابت الساعي والثابت لاسترجاع سيادة الدولة». وأكّد «انّ هدفنا الأول من المفاوضات هو تحقيق الانسحاب الكامل للعدو الإسرائيلي من لبنان». وقال: «ما كان الجيش يومًا إلاّ عنوانًا للكرامة والتضحية والوفاء وجامعًا لجميع اللبنانيين وصمّام أمان لوحدتهم وسلمهم الأهلي، وما تسلّم الجيش مهمّة إلّا وأنجزها بمهنية وحرفية عالية غير عابئ بتشويش من هنا أو ضغط من هناك».