Beirut weather 28 ° C
تاريخ النشر August 18, 2026
A A A
البرميل بين الـ 90-100 دولار… جرس إنذار
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في البناء 

 

 

لم يكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب يعلن عن تدفق النفط من مضيق هرمز، ويدلي بتصريحاته بنبرة التحدي عن مستقبل التفاوض مع إيران، حتى تجاوز سعر برميل نفط “برنت” عتبة التسعين دولاراً، وهذه ليست مجرد حركة عابرة في سوق شديدة التقلب. والعودة إلى سجل الأسعار منذ بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 شباط/ فبراير تكشف أن المسافة بين التسعين والمئة دولار كانت قصيرة في كل موجات التصعيد السابقة، وأن بلوغ المئة شكّل نقطة انتقال من الخوف على الإمدادات إلى الخوف على الاقتصاد، قبل أن يتحول هذا الخوف إلى ضغط سياسي على البيت الأبيض لوقف التصعيد أو فتح باب التفاوض.

 

بدأت الموجة الأولى بعدما أدت الحرب إلى شلل واسع في مضيق هرمز؛ حيث أغلق “برنت” عند 85.41 دولاراً في 5 آذار/ مارس، مع توقف شبه كامل لحركة السفن، وتعطل صادرات خليجية، واضطرار العراق وقطر إلى خفض الإنتاج بسبب امتلاء الخزانات. وفي اليوم التالي قفز البرميل إلى 92.69 دولاراً. لم يحتج الانتقال من نطاق 85–88 دولاراً إلى اختراق التسعين سوى جلسة واحدة.

 

خلال جلسة التداول التالية بعد عطلة نهاية الأسبوع، تجاوز السعر مئة دولار مسجلاً ذروة قاربت 119.50 دولاراً، قبل أن تؤدي إشارات ترامب إلى احتمال التفاوض إلى هبوط حاد. لكن السوق عاد وثبّت السعر فوق المئة، فأغلق “برنت” في 13 آذار/ مارس عند 103.14 دولارات، ثم ارتفع إلى 112.57 دولاراً في 27 آذار/ مارس.

 

تكرر المشهد في تموز/ يوليو بصورة أكثر وضوحاً؛ ففي 20 تموز/ يوليو أغلق “برنت” عند 89.22 دولاراً بالتزامن مع إعلان اليمن حظر الملاحة المرتبطة بالسعودية وتصاعد المخاطر في باب المندب، بينما بقي العبور في هرمز شديد الانخفاض. وفي 21 تموز/ يوليو تجاوز السعر التسعين وأغلق عند 91.01 دولاراً، ثم وصل في اليوم التالي إلى 94.07 دولاراً، قبل أن يقفز في 23 تموز/ يوليو إلى 100.69 دولار.

 

احتاج السوق يومين فقط للانتقال من التسعين إلى المئة. وجاءت القفزة مع مهاجمة ناقلات سعودية، وتهديد طرق تصدير النفط من البحر الأحمر، وتبادل الضربات الأميركية – الإيرانية. وهنا بدأت أسعار الأسهم تعكس انتقال أزمة النفط من سوق الطاقة إلى مجمل الاقتصاد.

 

في 13 آذار/ مارس، عندما أغلق “برنت” فوق 103 دولارات، تراجع مؤشر “داو جونز” 0.25%، و”ستاندرد آند بورز” 0.6%، و”ناسداك” 0.9%. وفي 23 تموز/ يوليو، عندما بلغ البرميل 100.69 دولار، خسر “داو جونز” 1%، و”ستاندرد آند بورز” 1.2%، و”ناسداك” 2.2%. وهبط سهم “تسلا” 14%، و”ألفابت” 7%، وإن كانت أخبار الإنفاق الضخم على الذكاء الاصطناعي قد شاركت النفط في الضغط على أسهم التكنولوجيا.

 

لا تتأثر الأسهم بالطريقة نفسها؛ إذ تستفيد شركات الطاقة من ارتفاع سعر الخام، بينما تتضرّر شركات الطيران والنقل والصناعة والتجزئة. ويكون مؤشر “ناسداك” أشد حساسية؛ لأن ارتفاع النفط يرفع توقعات التضخم، ويدفع عوائد السندات صعوداً، ويؤخر خفض الفائدة. وبعد بقاء النفط فوق المئة في آذار/ مارس، بدأت شركات الطيران خفض رحلاتها ورفع تقديرات كلفة الوقود، فتحوّلت حركة البرميل إلى أرباح أقل، وأسعار أعلى، واستهلاك أضعف.

 

أما الموجة الحالية، فقد بدأت بإغلاق “برنت” يوم الجمعة 14 آب/ أغسطس عند 88.52 دولاراً، عشية انتهاء مهلة الستين يوماً الواردة في مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية. وخلال عطلة نهاية الأسبوع عبرت خمس سفن فقط يوم السبت، ولم تسجل شركات التتبع عبور أي سفينة يوم الأحد، مقارنة بـنحو 130 إلى 140 سفينة يومياً قبل الحرب. ومع افتتاح الأسواق يوم الاثنين 17 آب/ أغسطس، تجاوز “برنت” التسعين وأغلق عند 90.87 دولاراً. حدث ذلك بالتزامن مع انتهاء المهلة من دون اتفاق، وإعلان إيران الانتقال من الوضع الدفاعي إلى الوضع الهجومي إذا فشلت الوساطة، واحتجاز ناقلة إماراتية، واضطرار “أرامكو” إلى عرض شحنات على زبائن آسيويين من خارج هرمز، عبر الفجيرة وينبع وسيدي كرير.

 

من هنا يبدأ الأثر السياسي؛ إذ تكشف التجربة أن التسعين دولاراً هي عتبة إنذار اقتصادي، بينما تمثل المئة دولار عتبة تدخل سياسي. فعند التسعين تبدأ واشنطن البحث في الإعفاءات النفطية، والسحب من الاحتياطي، والتدخل في سوق العقود، والضغط على المنتجين، وتكثيف الوساطات. أما عند المئة، فتتحول كلفة الحرب إلى قضية داخلية تتصل بالبنزين، والتضخم، والفائدة، والأسهم، والانتخابات.

 

عندما تجاوز النفط المئة في آذار/ مارس، توسعت الإعفاءات، وبدأ تحرير الاحتياطيات، وتوالت المهل السياسية والعسكرية. وعندما أعلن ترامب في 7 نيسان/ أبريل وقفاً للنار لأسبوعين، انهار “برنت” بنسبة 13.29% خلال جلسة واحدة إلى 94.75 دولاراً. وفي تموز/ يوليو، بعدما أغلق البرميل فوق المئة، علّق ترامب الضربات لإتاحة فرصة جديدة للدبلوماسية، فانخفض “برنت” في 27 تموز/ يوليو بنسبة 8.7% إلى 88.36 دولاراً.

يبعد “برنت” اليوم نحو 10% فقط عن المئة، وهي مسافة قطعها السوق في تموز/ يوليو خلال يومين، وفي آذار/ مارس خلال جلسة تداول واحدة بعد عطلة الأسبوع. لذلك لا يعني اختراق التسعين أن بلوغ المئة أصبح حتمياً، لكنه يقرع جرس الإنذار: الوقت المتاح أمام الدبلوماسية يضيق، والسوق بدأ التصويت ضد استمرار الحرب.