Beirut weather 29 ° C
تاريخ النشر August 17, 2026
A A A
لو كان الرئيس سليمان فرنجيه الجد اليوم… ماذا كان سيفعل؟
الكاتب: حسناء سعادة - موقع المرده

في ذكرى انتخاب سليمان فرنجيه الجد رئيساً للجمهورية اللبنانية، لانكتب هذا المقال كحنين فقط إلى رئيس غادر قصر بعبدا منذ اكثر من نصف قرن بل لنطرح سؤالاً حول ماذا كان ليفعل في هذه المرحلة الصعبة لو كان بيننا اليوم؟ وماذا كان سيقول أمام لبنان الذي تغيّرت ملامحه، فيما بقيت أزماته تتكرر؟.
قد لا نملك جواباً يقيناً، لكننا نملك مواقفه وسيرته السياسية لنستدل بها.
ربما كان أول ما سيقوله هو ما اختصر به فلسفته الوطنية “وطني دائماً على حق”.
لم تكن هذه العبارة بالنسبة إليه شعاراً للاستهلاك السياسي، بل كان الوطن أولاً، وبعده تأتي الحسابات الأخرى. ومن هذا المنطلق، لطالما كان شديداً في الدفاع عن سيادة لبنان، وعن كل شبر من أرضه، فالرجل الذي تمسّك بلبنانية مزارع شبعا عبر تعيين نواطير فيها واتخاذ خطوات عملية لتأكيد حضور الدولة فيها لن يتخلى عن شبر من ارض الوطن.
ولو كان فرنجيه الجد اليوم موجود بيننا كان بالتأكيد سيكرر مقولته “لا فضل للبناني على آخر إلا بنسبة إخلاصه للبنان” هو الذي كان يتعامل مع لبنان باعتباره وطناً لا وجهة نظر ودولة لا ساحة وسيادة لا شعاراً.

في زمن عاد فيه الانقسام الطائفي والسياسي ليطل برأسه من جديد، كان من الطبيعي أن يضع معياراً واحداً أمام الجميع: ماذا قدم كل منا للبنان؟ وماذا فعل من أجل الدولة؟ لا إلى أي طائفة ينتمي، ولا أي حزب يؤيد، ولا أي جهة خارجية يقترب منها.
ولعل أكثر ما كان سيزعجه هو أن يتحول اللبنانيون من مواطنين متساوين في وطن واحد إلى جماعات تبحث كل منها عن ضمانتها خارج الدولة.
أما الدولة، فكان سيضعها في موقعها الطبيعي.
فرنجيه الذي عرف لبنان في مرحلة شديدة التعقيد، والذي عايش بدايات الحرب اللبنانية، كان يدرك أن ضعف الدولة لا يؤدي إلى حماية أحد، بل يفتح الباب أمام الفوضى والتدخلات والانقسامات. لذلك، لو كان اليوم، لربما سأل المسؤولين قبل غيرهم: أين هي هيبة الدولة؟ وأين هي قدرتها على حماية الناس وأرضها ومؤسساتها؟
وفي ملف الأمن، من الصعب أن نتخيل فرنجيه يقبل بأن يشعر اللبناني بأنه متروك لمصيره.
فمن العبارات التي ارتبطت ببدايات عهده أنه أراد للبناني أن يعيش آمناً، وأن ينام مطمئناً على وطنه. والأمن بالنسبة إليه لم يكن امتيازاً لمنطقة أو طائفة، بل حقاً لكل لبناني.
ولو كان اليوم، ربما كان سيقول إن المواطن لا يريد خطابات كثيرة بقدر ما يريد دولة تحميه، وقانوناً يطبق على الجميع، ومؤسسات تعمل، وطريقاً آمناً، وبيئة مصانة، ومستقبلاً يستطيع أن يخطط له من دون خوف.
وفي الاقتصاد، ربما كان سيسأل السؤال البديهي: كيف نريد من اللبناني أن يبقى في أرضه إذا فقد قدرته على العيش فيها؟
فلبنان الذي يخسر شبابه لصالح الهجرة، ويترك عائلاته تكافح مع الغلاء وانهيار القدرة الشرائية، ليس لبناناً يستطيع أن يبني مستقبله.
وربما كان فرنجيه، المعروف باهتمامه بالإنماء وبالبيئة والمياه، سيتوقف طويلاً أمام حرائق الغابات، وجفاف المياه، والتعديات على الطبيعة، وغياب التخطيط الطويل الأمد. كان سيعتبر أن حماية الأرض لا تعني فقط الدفاع عن الحدود، بل أيضاً حماية الجبل والوادي والغابة والمياه والأرض الزراعية.
لكن السؤال الأكبر يبقى: ماذا كان سيفعل أمام الانقسام السياسي؟
ربما كان سيختلف مع كثيرين، وربما كان سيعارض كثيرين، لكنه كان سيضع سقفاً واحداً للخلاف: ألا يتحول الاختلاف إلى خصومة مع الوطن.
وهنا تعود عبارته الشهيرة لتفرض نفسها:
“وطني دائماً على حق”.
فإذا كان الوطن دائماً على حق، فلا أحد يملك حق احتكار الوطن، ولا أحد يستطيع أن يعتبر نفسه أكبر منه، ولا أن يجعل مصلحته السياسية أعلى من مصلحة لبنان.
ولو كان سليمان فرنجيه اليوم، ربما كان سيقول للسياسيين جميعاً: اختلفوا كما شئتم، لكن لا تختلفوا على لبنان.
وكان سيقول للبنانيين: لا تجعلوا الطائفة بديلاً عن الوطن، ولا الحزب بديلاً عن الدولة، ولا الخارج بديلاً عن القرار اللبناني.
قد تختلف في السياسة معه ولكن من الصعب الاختلاف على أن الرجل كان يمتلك وضوحاً في بعض الثوابت التي طبعت شخصيته السياسية: لبنان، سيادته، وحدة شعبه، أمنه، وعروبته.
ولهذا، فإن استحضار سليمان فرنجيه اليوم لا يجب أن يكون استحضاراً لشخص فقط، بل استحضاراً لمجموعة من الأسئلة التي ما زالت مطروحة.
ماذا فعلنا بلبنان الذي قال عنه: “لبنان الذي هكذا بناه الجدود هكذا سيبقى”؟
ماذا فعلنا بوحدة الشعب التي ختم بها خطاب قسمه؟
وماذا بقي من لبنان الذي أراده “سيداً مستقلاً عزيزاً حراً”؟
ربما لو كان فرنجيه اليوم، لما اكتفى بالكلام.
ربما كان سيتوجه إلى الأرض، إلى الناس، إلى المؤسسات، إلى الحدود، إلى القرى والبلدات، وإلى كل موقع يشعر فيه اللبناني أن الدولة غائبة.
فالرئيس الذي كان يقول إن “لا فضل للبناني على آخر إلا بنسبة إخلاصه للبنان”، ربما كان سيطلب من الجميع اليوم أن يثبتوا إخلاصهم بالأفعال لا بالشعارات.
في ذكرى انتخابه، يبقى السؤال الأهم لو كان سليمان فرنجيه اليوم، هل كان سيقبل بهذا لبنان؟
والجواب، ربما، تختصره عبارته التي بقيت بعده نصف قرن:
“وطني دائماً على حق”.
فلو كان الوطن هو المعيار، ولو كانت السيادة هي البوصلة، ولو كانت الدولة هي المرجع، لربما كان لبنان اليوم مختلفاً كثيراً.
رحل سليمان فرنجيه، لكن بعض كلماته بقيت.
والتحدي ليس أن نتذكرها فقط، بل أن نعمل على ابقاء الوطن على حق
فلبنان لا يحتاج اليوم إلى المزيد من الشعارات.
لبنان يحتاج إلى رجال يقولون إن الوطن أولاً… ثم يثبتون ذلك بالفعل.