Beirut weather 32 ° C
تاريخ النشر August 15, 2026
A A A
خيارات محدودة تحاكي «فوضى التحالفات» الإقليمية والدولية
الكاتب: جورج شاهين

كتب جورج شاهين في الجمهورية 

قد لا يطلّ شهر إلاّ ونشهد ولادة «حلف جديد»، يترجم التلاقي على مصالح آنية وقصيرة المدى. فمجموعة القمم الإقليمية والدولية التي عُقدت أخيراً، أنتجت مجموعة من التفاهمات لتعزيز العلاقات العسكرية والديبلوماسية وتبادل الخبرات والمعلومات في ما بينها، وصولاً إلى التعهّد بـ «الدفاع المشترك». وما كان واضحاً، انّها وضعت «الحلفاء» و»الوسطاء» في مجموعة الحروب الجديدة في مواجهات مباشرة وغير مباشرة، رفعت من نسبة القلق من «فوضى تحالفات دولية»، استدعت البحث عن الأسباب والظروف التي قادت إليها. وهذه بعض النماذج.

 

كان منطقياً أن تجنّد القوى الدولية والإقليمية ووكلاؤها، كل قدراتها العسكرية والديبلوماسية والسياسية والاقتصادية في سلسلة الحروب الأخيرة التي زنرّت الكرة الأرضية من أطرافها كافة، وخصوصاً انّها دفعت إلى نشوء مجموعة من الأزمات الاقتصادية والحياتية، التي أوحت بهشاشة الاقتصاد العالمي في أكثر من قطاع حيوي يمسّ الحياة اليومية لسكان الأرض. وإنّ إعادة التذكير بالحديث عنها، يردّنا إلى جردة سريعة تحاكي الأزمة المالية العالمية الأخيرة التي نشأت عام 2008، بعد أن مسّت الأزمة النظام المالي الأميركي، وصولاً إلى أزمة الغذاء التي نشأت في الأشهر الاولى للغزو الروسي لأوكرانيا، حيث تبين أنّها أحد أكبر خزائن الحبوب العالمية، ومعها زميلتها أزمة الطاقة والغاز، بعد العقوبات التي فُرضت على الإنتاج الروسي منها، وصولاً إلى حرب المضائق في هرمز وباب المندب، التي نمت على هامش الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران، وتداعياتها على دول الخليج العربي والعالم.

وقياساً على هذه المعادلة والصورة التي عكستها على مختلف المستويات الداخلية والإقليمية والدولية، تعترف مراجع سياسية وديبلوماسية، بأنّ التقدّم الذي حققه الإنسان على مستوى الإنجازات العلمية والتطور التكنولوجي غير المسبوق، وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي، لم تحصّن الاقتصاد العالمي من احتمال أن يتعرّض لهزّات كبيرة و«متلاحقة»، تجاوزت حدود القارات ودولها وقدراتها، مهما بلغت عظمتها وقوتها، كتلك التي عكستها حربا أوكرانيا وإيران، والتي تسببت بمواجهات داخلية في دول أطرافها، وهزّت حكومات وأنظمة ودفعت قادتها إلى مغامرات عسكرية وما عُرف بـ«الحروب الجمركية» التي بدّلت في العلاقات الدولية وقادت إلى أحلاف موسمية موقتة، بعدما اهتزت نظيراتها التي مضت على تشكيلها عقود، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، الهزّة التي أصابت «الحلف الأطلسي» أخيراً، وسقوط «حلف وارسو» نهائياً، وجمّدت نشاط «جامعة الدول العربية» و«مجموعة دول عدم الانحياز» وأخرى إقليمية، بعدما عجزت عن تحقيق تسويات تضمن التوافق المستدام بين أعضائها.

وانطلاقاً مما تقدّم، ظهر واضحاً انّ سقوط هذه الأحلاف الكبرى قاد إلى أخرى اقليمية موقتة، نشأت بين عام وآخر وربما بفارق اشهر. فنامت تحالفات ونشأت أخرى، تبدّلت فيها اطرافها بخروج أعضاء ودخول آخرين، مع الاعتراف بأنّ بعضاً منها حافظ على نواة صلبة. وإن توغلت هذه المراجع في بعض من التي انتهت مفاعيلها – قبل أن يجف حبر بعضها – يمكن العودة إلى مجموعة حكمت العلاقات بين مجموعة من الدول المستهدفة. ومنها:

ـ ما يعني الحرب في أوكرانيا، فإنّ ما جرى منذ 23 شباط 2023 أسقط تفاهمات مينسك ( 2014 – 2015) التي هدفت لوقف القتال في شرق أوكرانيا بعدما «استعادت» روسيا جزيرة القرم في آذار 2014، ومعها سقطت مجموعة من التفاهمات السابقة التي تعود إلى «اتفاقية بيلوفيسا» (1991)، «مذكرة بودابست» (1994)، و«معاهدة الصداقة والتعاون» (1997)، وما زال التفاهم غائباً رغم مجموعة المبادرات المختلفة بمصادرها.

– ما يعني الحرب على إيران وعلاقات الأخيرة بالولايات المتحدة الأميركية وجاراتها الخليجية، يمكن العودة إلى سقوط اتفاقية 15 تموز 2015 بين واشنطن وطهران في شأن ملفها النووي والقدرات الصاروخية في 18 نيسان 2018، وصولاً إلى سقوط «وثيقة بكين» بين الرياض وطهران في 10 آذار 2023، وما بينهما اتفاق وقف النار الشامل في 8 نيسان الماضي. وبعدها نشأ حلف «الدول الإسلامية الأربع» باكستان، تركيا، مصر والمملكة السعودية، والتي تحوّلت «خماسية» بانضمام قطر إليها قبيل طاولة «بورغنشتوك» التي عُقدت ما بين 22 و24 حزيران الماضي، قبل أن يتشكّل «الحلف الثلاثي» الجديد «للدفاع المشترك» الذي تجلّى بـ«اتفاقية مكة» في 7 آب الجاري، بعد خروج مصر وقطر من هذه الخماسية التي لم تعمّر طويلاً.

ليس في ما سبق مجرد تأريخ لمرحلة، إنما للدلالة إلى أهمية أن يقتنص لبنان الفرص المطروحة عليه، في ظل ما يمكن اعتباره «فوضى التحالفات الإقليمية والدولية» التي خلطت بين «الحلفاء» و«الخصوم» ومعهم «الوسطاء»، واستغلال «الفرص الذهبية» متى توفرت في «لحظة تاريخية» قد لا تتكرّر مرّة أخرى. فالدعم الأميركي للبنان والاهتمام بما يجري في ظلّ «مسار واشنطن ـ روما» قد يكون استثنائياً، ولكنه ليس قائماً لفترة غير محدودة، بفعل التحولات السريعة والمتبدّلة المحتملة بين فترة وأخرى. وهو ما يفرض تكوين «ملف مستقل» للبنان، بعيداً من ان يكون «مجرد ورقة» في ملف آخر إقليمياً كان او دولياً، قد يطيح أي اتفاق في اي لحظة، بمصالح اللبنانيين الضيّقة، قياساً على مصالح القوى الكبرى، في ظل قدراتهم على تحمّل النتائج المترتبة على أي من الحروب التي لم ولن تأتي على لبنان الّا بمزيد من المآسي على الجميع من دون استثناء.

وتصرّ المراجع العليمة كافة، على الاعتقاد بأنّ الخيارات أمام اللبنانيين تقلّصت وباتت محدودة، وانّ ترف التعاطي مع جولات المفاوضات لم يعد متاحاً، اختصاراً لمسلسل النكبات والاستعداد لتقديم أي تضحية تؤهّل البلد لمحطات قد تكون أصعب إن أردنا الإسراع في الانسحاب الإسرائيلي أياً كانت التكلفة اليوم، قبل فقدان كل ما يقود إلى وقف النار والتجريف والتفجير والتدمير واستعادة الاسرى وإعادة الإعمار، إن نجح المفاوض اللبناني بعبور مرحلة الهزائم والانتقال إلى المقلب الآخر.