Beirut weather 26 ° C
تاريخ النشر August 14, 2026
A A A
حين نحمي مؤسساتنا الأمنية… نحمي لبنان

كتب د. كلود عطية

 

في لبنان، لم تعد المشكلة في اختلافنا؛ فالاختلاف جزء من طبيعتنا، ولا يمكن لوطن متنوّع كلبنان أن يعيش من دون تعدّد في الآراء والانتماءات والرؤى. المشكلة تبدأ حين يتحوّل الاختلاف إلى انقسام، والانقسام إلى خصومة، والخصومة إلى تشكيك بكلّ مؤسسة يُفترض أن تجمع اللبنانيين وتحميهم.
من هنا، لا بدّ أن نقولها بوضوح، ومن خارج أيّ سجال سياسي أو اصطفاف طائفي أو مذهبي: نحن مع الجيش اللبناني، ومع قوى الأمن الداخلي، ومع جميع المؤسسات الأمنية اللبنانية، لأنها ليست ملكاً لفئة من اللبنانيين، ولا امتداداً لطائفة أو حزب، بل هي جزء من الدولة التي يُفترض أن تكون ملكاً لجميع اللبنانيين.
إنّ أخطر ما يمكن أن يحدث في مجتمع مأزوم ليس أن يختلف الناس حول السياسة، بل أن يفقدوا الثقة بالمؤسسات التي تحمي حياتهم وأمنهم وحقوقهم. فعندما تصبح المؤسسة الأمنية موضوعاً للانقسام، نكون قد تجاوزنا الخلاف السياسي إلى تهديد البنية الاجتماعية نفسها؛ لأنّ الأمن ليس قضية فئوية، والطمأنينة ليست امتيازاً طائفياً، وحماية الإنسان لا ينبغي أن تخضع لهويته المذهبية أو السياسية.
علمياً، لا يمكن بناء دولة مستقرة في ظلّ مجتمع لا يثق بمؤسّساته. فالدولة الحديثة لا تُقاس فقط بقدرتها على فرض القانون، بل بقدرتها على إنتاج شعور جماعي بأنّ القانون واحد، وأنّ الحماية واحدة، وأنّ المواطن، أياً كان اسمه أو دينه أو منطقته أو انتماؤه، يستطيع أن يرى في مؤسسات الدولة مساحة أمان لا مساحة خوف.
وهنا تكمن وظيفة المؤسسات الأمنية في بعدها الأعمق: هي ليست فقط مؤسسات لحفظ الأمن؛ إنها مؤسسات لإعادة إنتاج الثقة بين المواطن والدولة، وبين اللبناني واللبناني.
فالشرطي الذي يحمي مواطناً لا يعرفه، والجندي الذي يقف على حاجز لا يسأل العابر عن طائفته قبل أن يحميه، والعسكري الذي يسهر في الليل بينما تنام العائلات في بيوتها، جميعهم يؤدون وظيفة تتجاوز حدود الواجب المهني. إنهم يساهمون، من حيث لا ندرك أحياناً، في بناء فكرة الوطن نفسها.
ولذلك فإنّ الاستثمار في المؤسسات الأمنية لا ينبغي أن يُفهم فقط بوصفه شراء معدات أو تحسين رواتب أو تطوير قدرات لوجستية، على أهمية كلّ ذلك. الاستثمار الحقيقي هو في المؤسسة، وفي الإنسان الذي يرتدي بزّتها، وفي كرامته، وتدريبه، واستقلاليته، وقدرته على تطبيق القانون بعدالة، وثقة المجتمع به.
نحن بحاجة إلى أن ننتقل من سؤال: مع من تقف هذه المؤسسة؟ إلى سؤال أكثر نضجاً: كيف نجعل مؤسساتنا الأمنية فوق الانقسام، لكي يبقى لبنان فوق الانقسام؟
هذه النقلة في التفكير ليست ترفاً فكرياً. إنها ضرورة وطنية.
فالجيش اللبناني ليس مؤسسة تخص المسيحي أو المسلم، وقوى الأمن الداخلي ليست مؤسسة تخصّ منطقة دون أخرى، والمؤسسات الأمنية ليست ملكاً للسلطة السياسية أياً كانت. إنها مؤسسات اللبنانيين جميعاً، ومن واجبنا أن نحميها من التسييس، كما من واجبها أن تحمي نفسها من أن تتحوّل إلى طرف في الانقسامات السياسية والمذهبية.
وفي المقابل، فإنّ دعم المؤسسات الأمنية لا يعني منحها شيكاً على بياض. الدولة القوية لا تقوم على قوة السلاح وحدها، بل على قوة القانون، والمساءلة، والشفافية، واحترام حقوق الإنسان، والمساواة أمام القانون. المؤسسة الأمنية القوية هي التي يشعر المواطن بأنها قوية لأنها عادلة، لا لأنها مخيفة؛ وأنّ هيبتها نابعة من القانون، لا من الخوف.
وهنا تحديداً يمكن للبنان أن يعيد تعريف مفهوم الأمن.
الأمن ليس فقط أن نمنع الجريمة.
الأمن أن يشعر اللبناني أنّ حياته مصانة.
الأمن أن يختلف اللبناني مع أخيه في السياسة من دون أن يتحوّل الاختلاف إلى عداوة.
الأمن أن يختلف مسلم ومسيحي في الرأي، ويبقيا شريكين في الوطن.
الأمن أن يشعر ابن طرابلس وابن بيروت وابن جبل لبنان وابن الجنوب وابن البقاع أنّ الدولة تنظر إليهم باعتبارهم مواطنين متساوين.
الأمن، في جوهره، هو أن نمنع الخوف من أن يتحوّل إلى كراهية، وأن نمنع الكراهية من أن تتحوّل إلى قطيعة، وأن نمنع القطيعة من أن تتحوّل إلى عنف.
ومن هنا، فإنّ المؤسسة الأمنية تستطيع أن تكون واحدة من أهمّ أدوات المصالحة الاجتماعية اللبنانية إذا جرى بناء الثقة بها على قاعدة المواطنة والقانون.
لقد تعب اللبنانيون من أن يروا وطنهم من خلال الطوائف والمذاهب والمحاور والاصطفافات. آن الأوان أن نراه من خلال مؤسساته.
ليس المطلوب أن نتفق على كلّ شيء. المطلوب أن نتفق على شيء واحد: أنّ لبنان لا يمكن أن ينهض إذا لم تكن هناك دولة تحمي الجميع.
ولذلك، فلنستثمر في جيشنا، وفي قوى أمننا الداخلي، وفي كلّ مؤسسة أمنية لبنانية؛ لا لأننا نريد دولة أقوى على حساب المجتمع، بل لأننا نريد دولة أقوى من أجل المجتمع.
لنستثمر في التدريب والتعليم والتكنولوجيا والطبابة واللوجستيات والرواتب والقدرات المهنية، ولكن قبل ذلك كله، لنستثمر في الثقة.
ثقة الجندي بأنّ دولته تقف إلى جانبه.
وثقة المواطن بأن الجندي يقف إلى جانب القانون.
وثقة اللبناني بأنّ المؤسسة التي تحميه اليوم ستبقى ملكاً له غداً، أياً كانت نتيجة الانتخابات، وأياً كانت الحكومة، وأياً كان اسم الحاكم.
عندها فقط يصبح الأمن مشروعاً وطنياً، لا مجرد وظيفة.
وعندها يصبح الجيش مدرسة للمواطنة، وقوى الأمن مساحة للتلاقي، ومؤسسات الدولة جسراً بين اللبنانيين، لا خطوط تماس جديدة بينهم.

لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الجدران بين أبنائه.
يحتاج إلى مؤسسات تجمعهم.
ولا يحتاج إلى مزيد من الخطابات التي تسأل اللبناني: من أنت؟
بل إلى دولة تقول له: أنت مواطن، وهذا الوطن لك كما هو لغيرك.
فلنخرج من منطق حماية الطوائف إلى منطق حماية الإنسان.
ومن منطق الخوف من الدولة إلى منطق الثقة بها.
ومن منطق السؤال عن هوية المؤسسة إلى منطق بناء مؤسسات لا تحتاج إلى تعريف نفسها طائفياً لأنها ببساطة مؤسسات لبنان.
قد نختلف في السياسة، وقد نتخاصم في الانتخابات، وقد نتجادل في الاقتصاد والاجتماع والتاريخ.
لكن حين يتعلق الأمر بأمن لبنان، وسلامة أبنائه، ووحدة أرضه، وكرامة مواطنيه، يجب أن يكون لنا موقف أخلاقي قبل أن يكون موقفاً سياسياً:
نحمي مؤسساتنا الأمنية لأنها تحمي لبنان.
ونقوّيها لأننا نريد دولة قوية.
ونحترمها لأننا نريد قانوناً يحمي الجميع.
ونرفض تطييفها لأننا نرفض تطييف الوطن.
وفي بلدٍ أنهكته الانقسامات، ربما يكون أول طريق المصالحة ألا نطلب من اللبناني أن يحبّ أخاه المختلف عنه، فهذا قد يحتاج إلى سنوات من العمل الاجتماعي والثقافي والتربوي.
يكفي، في البداية، أن نبني دولة تجعلهما يتعايشان تحت سقف قانون واحد، وأمان واحد، ومؤسسات واحدة.
فحين يشعر اللبناني أنّ الدولة تحميه، يبدأ بالخوف أقلّ.
وحين يخاف أقلّ، يكره أقلّ.
وحين يكره أقلّ، يقترب أكثر.
وحين يقترب اللبنانيون من بعضهم بعضاً، يبدأ الوطن من جديد.
هذه هي المعركة الحقيقية: أن نبني مؤسسات تجعل اللبنانيين أقلّ خوفاً من بعضهم بعضاً، وأكثر ثقة بدولتهم.
وهذا، قبل أيّ شيء آخر، هو معنى الدولة…