Beirut weather 26 ° C
تاريخ النشر August 14, 2026
A A A
أوروبا تلغي “التأشيرة الذهبية”: ماذا يحدث لبرامج الإقامة بالاستثمار؟

كتبت مهى كنج 

 

لم تعد أوروبا المكان السهل لشراء “جواز سفر ثانٍ” أو الحصول على إقامة طويلة بمجرد شراء عقار. ففي السنوات الأخيرة، بدأت القارة العجوز تعيد رسم قواعد الهجرة الاستثمارية، تحت ضغط أزمة السكن، ومخاوف غسل الأموال والتهرب الضريبي والأمن، إلى جانب موقف أوروبي متشدد من تحويل الجنسية إلى سلعة.

 

لكن القول إن أوروبا أنهت برامج “التأشيرة الذهبية” بالكامل ليس دقيقاً. ما انتهى عملياً هو نموذج الجنسية المباشرة مقابل المال، فيما تستمر برامج الإقامة الاستثمارية في عدد من الدول، لكن بشروط أصعب واستثمارات أوثق ارتباطاً بالاقتصاد الحقيقي.

 

وجاء التحول الأبرز في نيسان/أبريل 2025، عندما قضت محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي بأن برنامج مالطا لمنح الجنسية مقابل الاستثمار يتعارض مع قانون الاتحاد، في رسالة واضحة مفادها أنه لا يمكن التعامل مع جنسية دولة أوروبية، وما تمنحه من حقوق داخل الاتحاد، وكأنها سلعة تجارية.

 

 

 

 

دول أغلقت الباب

كانت إسبانيا من أبرز المنضمين إلى موجة الإلغاء: في 3 نيسان/أبريل 2025، أنهت مدريد نظام تأشيرة المستثمر بالكامل، بما فيه المسار العقاري الشهير الذي كان يتطلب شراء عقار بقيمة 500 ألف يورو. وجاء القرار في خضم أزمة سكن وارتفاع الأسعار، خصوصاً في المدن والمناطق السياحية.

 

أما أيرلندا، فأوقفت استقبال الطلبات الجديدة ضمن برنامج المستثمر المهاجر منذ شباط/فبراير 2023، بعدما كان البرنامج قد استقطب استثمارات تقارب 1.25 مليار يورو.

 

في هولندا، انتهى برنامج المستثمرين الأجانب في نيسان/أبريل 2024 بعدما خلصت السلطات إلى محدودية أثره الاقتصادي وقلة استخدامه، فضلاً عن المخاوف المتعلقة بإساءة الاستفادة منه.

 

وسبقت بريطانيا الجميع تقريباً، إذ أغلقت تأشيرة Tier 1 Investor في شباط/فبراير 2022 بسبب مخاوف تتعلق بالأموال غير المشروعة، والفساد، والأمن القومي.

 

 

 

البرتغال واليونان: لا إلغاء بل تغيير للقواعد

اتخذت البرتغال مساراً مختلفاً: برنامج “التأشيرة الذهبية” لم يُلغَ، إلا أن العقار خرج من المعادلة منذ إصلاحات عام 2023. وفي 2026، يستطيع المستثمر التأهل، من بين مسارات أخرى، من خلال استثمار 500 ألف يورو في صناديق غير عقارية، أو مبلغ مماثل في البحث العلمي، أو 250 ألف يورو في مشاريع ثقافية، فضلاً عن خلق الوظائف والاستثمار في الشركات.

 

أما اليونان، فما زالت تسمح بالاستثمار العقاري، لكنها رفعت “الثمن” بصورة كبيرة: الحد الأدنى يصل إلى 800 ألف يورو في مناطق مثل أتيكا وثيسالونيكي وميكونوس وسانتوريني وبعض الجزر الكبيرة، مقابل 400 ألف يورو في مناطق أخرى. وما زال مسار 250 ألف يورو قائماً في حالات محددة، مثل تحويل استخدام بعض المباني أو ترميم عقارات تاريخية.

 

مالطا وقبرص: الإقامة تبقى والجنسية ترحل

بعد الحكم الأوروبي، ألغت مالطا برنامج الجنسية الاستثمارية، إلا أن برنامج الإقامة الدائمة لا يزال قائماً. ويشمل، ضمن شروطه، شراء عقار مؤهل بقيمة تبدأ من 375 ألف يورو، أو استئجاره بقيمة لا تقل عن 14 ألف يورو سنوياً.

 

وفي قبرص، أُلغي برنامج الجنسية مقابل الاستثمار منذ 2020، لكن الإقامة الدائمة الاستثمارية ما زالت ممكنة عبر استثمارات تبدأ من 300 ألف يورو في قطاعات مؤهلة، مع شروط إضافية للدخل.

 

 

 

دول لا تزال تريد أموال المستثمرين

في المقابل، تُعيد المجر فتح الباب أمام رؤوس الأموال. ويتيح برنامج “المستثمر الضيف” إقامة تصل إلى 10 سنوات قابلة للتجديد باستثمار 250 ألف يورو في صندوق مؤهل أو تقديم تبرع بقيمة مليون يورو لمؤسسة تعليم عالٍ.

 

وتستمر إيطاليا أيضاً في برنامجها، باستثمارات تبدأ من 250 ألف يورو في شركة ناشئة مبتكرة، وترتفع إلى 500 ألف يورو في شركة إيطالية، أو مليوني يورو في السندات الحكومية.

 

كما تحافظ لاتفيا على مسار للإقامة المؤقتة من خلال استثمارات مؤهلة، بينها شراء عقار بقيمة تبدأ من 250 ألف يورو.

 

 

 

فرنسا حالة تستحق الانتباه

غالباً ما تغيب فرنسا عن مقارنات التأشيرات الذهبية، لكنها تملك فعلياً آلية إقامة مرتبطة بالاستثمار. فبطاقة الإقامة الفرنسية ضمن مسار Talent – Economic Investment تتطلب استثماراً لا يقل عن 300 ألف يورو في أصول ثابتة مادية أو غير مادية، على أن يتم الاستثمار مباشرة من المستثمر أو عبر شركة يديرها، أو عبر شركة يملك فيها ما لا يقل عن 30%، مع خلق وظائف أو الحفاظ على وظائف قائمة. وقد تمتد بطاقة الإقامة إلى أربع سنوات.

 

 

بمعنى آخر، شراء شقة في فرنسا بقيمة 300 ألف يورو لا يمنح المستثمر تأشيرة. لكن استثماراً إنتاجياً مؤهل بقيمة 300 ألف يورو مع أثر وظيفي قد يفتح باب الإقامة للمستثمر. وهذا تحديداً هو الاتجاه الذي تسير فيه أوروبا.

 

 

 

ألمانيا وبلجيكا: المال وحده لا يكفي

النظام الألماني أبعد حتى من نموذج التأشيرة الذهبية. فالمادة 21 من قانون الإقامة تنظر إلى المشروع التجاري نفسه، ومدى تمويله، وجدواه، وتأثيره في العمالة والتدريب والابتكار والاقتصاد المحلي.

 

لذلك، لا تعتمد ألمانيا قاعدة بسيطة من نوع “استثمر 500 ألف يورو واحصل على الإقامة”.

 

أما بلجيكا فتعمل بطريقة مشابهة: غير الأوروبي الذي يريد تأسيس عمل حر يحتاج عادة إلى بطاقة مهنية Professional Card تصدرها الجهة المختصة في بروكسل أو فلاندرز أو والونيا، ثم يمكنه التقدم للحصول على تأشيرة إقامة طويلة. ومرة أخرى، شراء عقار أو إيداع مبلغ محدد لا يؤدي تلقائياً إلى الحصول على الإقامة.

 

 

 

لوكسمبورغ: قصة غالباً ما تُهمَل

لوكسمبورغ هي على الأرجح من أهم الدول التي تغيب عن قوائم التأشيرات الذهبية التقليدية. فلديها برنامج إقامة واضح للمستثمرين، لكنه مصمم أساساً لاستقطاب رأس المال المنتج.

 

تشمل الخيارات:

– 500 ألف يورو في شركة قائمة في لوكسمبورغ، مع الحفاظ على الاستثمار والعمالة مدة خمس سنوات.

– 500 ألف يورو لإنشاء شركة جديدة وخلق خمس وظائف على الأقل.

– 3 ملايين يورو في هيكل لإدارة أو استثمار الأموال.

– 20 مليون يورو كوديعة لدى مؤسسة مالية في لوكسمبورغ لمدة خمس سنوات على الأقل.

 

والأهم أن شراء العقار لا يدخل ضمن الاستثمارات المؤهلة.

 

 

 

ماذا عن سويسرا؟

سويسرا حالة خاصة. فهي لا تملك تأشيرة ذهبية وطنية شبيهة ببرامج الاتحاد الأوروبي، لكن الأثرياء من خارج الاتحاد الأوروبي يستطيعون، في بعض الكانتونات وضمن شروط محددة، الحصول على الإقامة استناداً إلى مصلحة مالية أو ضريبية كبيرة. ويرتبط هذا أحياناً بنظام الضرائب المعروف باسم Lump-Sum Taxation أو الضريبة المقطوعة.

 

فعلى سبيل المثال، تسمح جنيف لبعض مواطني الدول الثالثة بالتقدم للإقامة وفق هذا النظام إذا نقلوا مركز مصالحهم إلى سويسرا، ولم يعملوا فيها، وكان وجودهم يمثل مصلحة مالية مهمة للكانتون.

 

ولا يوجد مبلغ وطني ثابت وموحد، بل يتم تحديد الشروط والمبالغ وفق كل حالة وكانتون.

 

 

 

أوروبا لا تغلق الباب… بل تغيّر نوع المستثمر

إن التحول الأوروبي ليس نهاية “التأشيرة الذهبية”، بقدر ما هو نهاية حقبة “ادفع واشترِ جوازاً”، وتراجع نموذج “اشترِ عقاراً واحصل على إقامة”.

 

الاتجاه الجديد واضح: أوروبا تريد رأس مال يمكن التحقق من مصدره، واستثمارات تصب في الشركات والصناديق والابتكار والوظائف والبحث العلمي، مع تقليل المضاربة العقارية وتشديد التدقيق الأمني والمالي.

 

بعبارة أخرى: الباب لم يُغلق أمام المستثمر الأجنبي، لكنه أصبح أضيق وأغلى، ولم يعد المال وحده كافياً للدخول.