Beirut weather 29 ° C
تاريخ النشر August 14, 2026
A A A
مانشيت “الأنباء”: بين استحقاق الدولة ومخاطر التفكك.. لبنان أمام امتحان الداخل والجنوب وتطورات الإقليم
الكاتب: الأنباء الالكترونية

في الوقت الذي أنهى فيه المجلس النيابي ماراثوناً تشريعياً عصيباً أقرّ خلاله مجموعة من القوانين التي تمسّ صميم الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كان الجنوب يشتعل مجدداً تحت وطأة الاعتداءات الإسرائيلية، فيما بدت الحكومة أمام إشكالية داخلية كان لبنان بغنى عنها، تتصل بالعلاقة بين رئيس الحكومة ووزير الدفاع والمؤسسة العسكرية. وفي موازاة ذلك، يواصل الإقليم تأرجحه بين التهدئة والتصعيد، من مفاوضات واشنطن وطهران إلى النزاع المفتوح حول مضيق هرمز.

 

كل ذلك يضع الدولة اللبنانية أمام اختبار مزدوج، بين قدرتها على إصلاح الداخل وتحصين مؤسساتها، وفي الوقت نفسه قدرتها على حماية قرارها الوطني في مواجهة مخاطر الجنوب وتداعيات الصراع الإقليمي المتفجر.

 

لا يمكن التقليل من أهمية القوانين التي أُقرها المجلس النيابي، ولا سيما قانون إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها، وقانون تنظيم الإعلام، وإلغاء عقوبة الإعدام، وقانون العفو العام، رغم الملاحظات والتحفظات التي رافقت بعض موادها. فلبنان يحتاج فعلاً إلى ورشة تشريعية تعيد بناء الدولة وتواكب الإصلاحات المطلوبة للخروج من أزمته المستعصية. لكن الإصلاح لا يقاس بعدد القوانين التي تُقر، بل بمدى قدرتها على استعادة ثقة المواطن وحماية حقوقه وتحويل النصوص إلى واقع.

 

وهنا يكتسب منشور أمين سر “اللقاء الديمقراطي” النائب هادي أبو الحسن أهمية خاصة، حين شدد على أن إقرار قانون إصلاح المصارف وإعادة هيكلتها، على أهميته، لا يكفي، وأن العبرة تبقى في قانون الفجوة المالية والتوازن المالي واستعادة الحقوق. فـ”لا إمكانية لإعادة الثقة من دون استعادة حقوق الناس وجنى أعمارهم”، كما قال، داعياً الحكومة والمجلس النيابي إلى خوض هذا المعترك “بجرأة دون تردد”، باعتبارها قضية أخلاقية ووطنية.

 

وهذه هي النقطة التي ينبغي ألا تضيع وسط النقاش التقني حول إعادة هيكلة المصارف: المودع ليس رقماً في ميزانية، ولا يجوز أن يتحول إلى الحلقة الأسهل لتحميله كلفة الانهيار. المطلوب تدقيق شفاف في موجودات الدولة ومصرف لبنان والمصارف، وتحديد المسؤوليات، ثم توزيع الخسائر على أساس العدالة لا على أساس القدرة على الاحتمال.

 

ومن هنا أيضاً، فإن إقرار قانون العفو العام، ما كان ينبغي أن يكون مدخلاً إلى سجال سياسي أو طائفي جديد. فالملابسات التي رافقت النقاش حول حقوق عائلات شهداء الجيش أوجدت أزمة كان لبنان بغنى عنها، خصوصاً أنها انعكست على العلاقة بين وزير الدفاع والمؤسسة العسكرية من جهة، ورئيس الحكومة من جهة أخرى. وأدت الأزمة ةإلى اعتكاف وزير الدفاع اللواء ميشال منسى عن حضور جلسة مجلس الوزراء.

 

وكان بيان وزير الدفاع مؤثراً في مضمونه ودلالاته، خصوصاً حين توجه إلى عائلات الشهداء بالاعتذار، مؤكداً أن دماء أبنائهم “أمانة في أعناقنا”، وأن الجيش “ليس طرفاً في خصومة”. ومهما اختلفت المواقف السياسية حول تفاصيل القانون، فإن هذا الكلام ينبغي أن يُقرأ في سياقه الوطني، لا أن يتحول إلى مادة للاستثمار السياسي.

 

والأهم أن موقف قائد الجيش العماد رودولف هيكل، الذي زار وزير الدفاع على رأس وفد من أعضاء المجلس العسكري وكبار الضباط، جاء ليضع حداً لأي محاولة لتفسير الخلاف على أنه خلاف بين المؤسسة العسكرية ووزير الدفاع. فقوله إن الوزير “لم ولن يخذل عائلات الشهداء” وإنه “رفع لنا رأسنا ورفع رأس الجيش”، وتأكيده أن “لا طائفة بين من يرتدي البزة المرقطة”، يحملان رسالة بالغة الوضوح: الجيش مؤسسة وطنية جامعة، وحماية معنوياتها ووحدتها ليست تفصيلاً في أي خلاف سياسي.

 

من هنا، فإن الموقف المؤيد لإقرار العفو العام لا يجب أن يمنع من القول بوضوح إن طريقة تعامل رئيس الحكومة نواف سلام مع وزير الدفاع لم تكن لائقة، وكان الأجدى معالجة المسألة داخل المؤسسات وبهدوء، لا أن تصل إلى اعتكاف وزير الدفاع.

 

وإذا كان الرئيس سلام قد أكد أن حكومته “حكومة 24 وزيراً وليست 24 حكومة”، وأنه يكن كل احترام وتقدير لوزير الدفاع، فإن المطلوب أن تترجم هذه الرسالة سريعاً إلى معالجة فعلية تحفظ وحدة الحكومة وهيبة المؤسسات. وقد جاء لقاء رئيس الجمهورية جوزاف عون بالرئيس سلام ليؤكد أهمية هذا المسار، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى أعلى درجات التنسيق السياسي والمؤسساتي، وأن يبقى كل ذلك تحت سقف الخطر الأكبر: الجنوب.

 

فما يجري في تلال علي الطاهر ليس تفصيلاً ميدانياً، بل بات عقدة أساسية أمام استكمال “اتفاق الإطار” وتثبيت وقف إطلاق النار وتوسيع المناطق التجريبية وانتقال الجيش إلى مواقع جديدة. وفي الوقت الذي يزور فيه رئيس مجموعة التنسيق العسكري الأميركي الخاصة بلبنان الجنرال جوزيف كليرفيلد بيروت، تأتي التطورات الميدانية لتؤكد أن المسار التفاوضي دخل مرحلة شديدة الحساسية.

 

والأخطر أن التصريحات الإسرائيلية الأخيرة، ولا سيما تأكيد وزير الدفاع يسرائيل كاتس أن إسرائيل لن تنسحب من جنوب لبنان قبل نزع سلاح “حزب الله”، تكشف بوضوح أن المسألة لم تعد مرتبطة فقط بترتيبات أمنية موقتة. فهناك في إسرائيل من يريد تحويل الاحتلال الموقت إلى واقع طويل الأمد، وهو ما يتناقض مع جوهر السيادة اللبنانية ومع الهدف المعلن للمفاوضات.

 

وهنا يتأكد التحذير الذي لطالما أطلقه الرئيس وليد جنبلاط: إسرائيل لا تبدو مستعدة للتعامل مع وقف إطلاق النار باعتباره طريقاً إلى الانسحاب، بل تسعى إلى إبقاء الجنوب تحت الضغط العسكري والسياسي إلى أجل مفتوح. ولذلك فإن أي تفاوض جدي يجب أن يقود إلى تثبيت وقف النار وانسحاب إسرائيل، بالتوازي مع بسط سلطة الدولة والجيش على كامل الأراضي اللبنانية.

 

وفي هذا السياق، فإن جولة روما المقبلة اذا عقدت، لا ينبغي أن تكون مجرد جولة تفاوضية أخرى، بل اختباراً حقيقياً لما إذا كان “اتفاق الإطار” قابلاً للتحول إلى خطوات تنفيذية أم سيبقى رهينة الشروط المتبادلة والمواقف الأميركية الضبابية.

 

أما إقليمياً، فإن المشهد لا يقل خطورة. فبينما تؤكد واشنطن قدرتها على استمرار الحصار البحري على إيران “طالما اقتضت الحاجة”، يرد قائد الباسيج حسين طائب بأن مضيق هرمز “تحت سيطرة إيران وادارتها”، فيما يحذر وزير الخارجية عباس عراقجي من “خطأ حسابي أكبر”.

 

وفي موازاة ذلك، بدأت تأثيرات “اتفاق مكة” للدفاع المشترك تؤسس لمرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي والأمني بين دول المنطقة، لا سيما العراق وسوريا ومصر، بما يعيد رسم بعض التوازنات الإقليمية ويفتح مسارات تنسيق جديدة في محيط بالغ التعقيد. وفي المقابل، تأتي تأكيدات الوسيط الباكستاني أن المفاوضات الأميركية الإيرانية تتقدم لتفتح نافذة، ولو ضيقة، أمام احتمال احتواء التصعيد.

 

والحقيقة أن تضارب الروايات حول من يسيطر على هرمز يعكس بحد ذاته خطورة المرحلة. فالممر ليس مجرد ورقة تفاوضية، بل شريان عالمي للطاقة، وأي تحويل له إلى ساحة صراع مفتوح ستكون كلفته أكبر من قدرة الأطراف على التحكم بنتائجه.

 

لذلك تبدو المنطقة كلها أمام معادلة واحدة: إما أن تتحول الوساطات والمفاوضات إلى ترتيبات قابلة للتنفيذ، أو أن تستمر سياسة عضّ الأصابع بما يهدد بإعادة فتح أبواب الحرب على نطاق أوسع.