Beirut weather 29 ° C
تاريخ النشر August 6, 2026
A A A
مفاوضات روما تحت النيران… والميدان يفرض كلمته

كتب حسن حردان: 

في مفارقة تعكس عمق المأزق الذي يحيط بمسار المفاوضات المباشرة، تنعقد جولات التفاوض في العاصمة الإيطالية روما وسط دوي الانفجارات وغارات طيران العدو الصهيوني في جنوب لبنان. المشهد الراهن يضعنا أمام ما يشبه لوحة سوريالية: طاولات دبلوماسية تبحث في ترتيبات أمنية، تقابلها جرافات عسكرية “إسرائيلية” تمسح قرى بأكملها وتُهجّر ما تبقى من سكانها، في استراتيجية “إسرائيلية” واضحة تهدف إلى استخدام “الدبلوماسية” كغطاء زمني لفرض أمر واقع ديموغرافي وجغرافي بالحديد والنار.

 

أولاً: التناقض الإسرائيلي…

احتلال مستمر واتهام بـ “الخرق”

تجلّت ذروة الاستعصاء الدبلوماسي في رفض الوفد “الإسرائيلي” في روما تقديم أيّ التزام بوقف شامل لإطلاق النار، أو وضع جداول زمنية للانسحاب من المناطق التي توغلت فيها قوات العدو، لا سيما المناطق الاستراتيجية والرمزية مثل الخيام وبنت جبيل. وبدلاً من ذلك، سعت حكومة العدو إلى فرض شروط تعجيزية تجعل من سيطرتها الأمنية على الجنوب أمراً واقعاً.

هنا، برزت واقعة مجدل زون كمحطة كاشفة. فالانفجار الذي استهدف القوة “الإسرائيلية” المتوغلة داخل البلدة، وأسفر عن مقتل وإصابة عدد من الجنود الصهاينة، شكّل صفعة للرهانات “الإسرائيلية”. المفارقة الفاضحة تمثلت في مسارعة جيش الاحتلال لاتهام حزب الله بـ “خرق وقف إطلاق النار”؛ وهو الاتفاق الذي لم تلتزم به “إسرائيل” ليوم واحد. فكيف يمكن الحديث عن “خرق” لاتفاق غير موجود فعلياً على الأرض؟ وكيف يُطلب من لبنان أن يوقف دفاعه عن أرضه، في حين تواصل قوات الاحتلال تمركزها وتفجيرها للمنازل بشكل يومي؟

إنّ هذه الازدواجية تكشف أنّ حكومة العدو تسعى لـ “هدنة من طرف واحد”، تضمن أمن قواتها الغازية وتمنحها حرية استكمال “الهندسة الديموغرافية” للمنطقة العازلة، بينما تحاول الاعتراض على أيّ ردّ فعل دفاعي لبناني.

 

ثانياً: عقاب جماعي

واستباق ديموغرافي

ردّ الفعل الإسرائيلي على انفجار مجدل زون لم يكن عسكرياً تقليدياً فحسب، بل اتخذ طابع العقاب الجماعي ومحاولة تفريغ الأرض. الغارات العنيفة لعدد من القرى وإنذارات الإخلاء الفورية لبلدة المنصوري ومحيطها ليست مجرد ردّ فعل انفعالي، بل هي جزء من خطة ممنهجة لتوسيع بيكار “الأرض المحروقة”. كيان الاحتلال يستثمر الوقت الضائع في أروقة روما لخلق منطقة حدودية خالية تماماً من السكان والأبنية، مما يجعل مسألة عودة الأهالي ـ حتى لو تمّ توقيع اتفاق سياسي ـ شبه مستحيلة في المدى المنظور.

 

ثالثاً: النتائج المباشرة للتصعيد الراهن

إنّ القراءة الموضوعية لهذا السلوك الصهيوني العدواني المزدوج (التصلب في روما والتصعيد في الميدان) تؤكد مجموعة من النتائج الحتمية:

1 ـ سقوط الغطاء الدبلوماسي: تحوّلت مفاوضات روما من منصة لإنتاج لايجاد حلّ يؤدي الى الانسحاب الاسرائيلي من المناطق المحتلة، إلى “شاشة دخان” تستغلها تل أبيب لتغطية استمرار اعتداءاتها العسكرية.

2 ـ انكشاف التواطؤ الأميركي والدولي: وضع هذا التصعيد الرعاية الأميركية والأوروبية في دائرة الاتهام بالتوطؤ، إذ أثبتت واشنطن عدم رغبتها إلزام “إسرائيل” بأبسط قواعد التفاوض، وهي “وقف النار كشرط للبحث في الترتيبات الأمنية”.

3 ـ أثبتت التطورات انّ الهدف “الإسرائيلي” من اتفاق 26 حزيران الإطاري ليس الانسحاب من الجنوب وإنما استخدامه غطاء لاستمرار الاحتلال واعتداءاته بذريعة عدم تجريد المقاومة من سلاحها وتدمير بناها العسكرية، وهو ما يضع المفاوض اللبناني أمام تحدي التمسك بما يطالب به من “التنفيذ المتزامن” ورفض إعطاء أيّ ضمانات أمنية قبل الانسحاب الإسرائيلي الفعلي المجدول من كافة القرى المحتلة، بدءاً من الخيام وبنت جبيل، ووقف كامل للعمليات العدوانية.. وتعليق مشاركته في المفاوضات الى ان يلتزم كيان الاحتلال بوقف النار وبدء الانسحاب من المناطق المحتلة.

4 ـ تآكل الردع “الإسرائيلي”: أثبتت عمليات الاستنزاف (كنموذج مجدل زون) أنّ بقاء قوات الاحتلال الإسرائيلية في الجنوب سيتحوّل إلى عبء تكتيكي وخسارة بشرية مستمرة لا يمكن تجنّبها بفعل استمرار عمليات المقاومة المشروعة ضد الاحتلال.

 

رابعاً: الاحتمالات والسيناريوات المتوقعة

بناءً على معطيات الميدان وطاولة التفاوض، يتأرجح المشهد بين مسارين رئيسيين:

الاحتمال الأول: انهيار المفاوضات والانزلاق نحو التصعيد المفتوح (السيناريو الأكثر ترجيحاً حالياً) في ظلّ رفض حكومة العدو للانسحاب واستمراره قوات الاحتلال في عمليات الهدم، وتأكد حقيقة انّ التفاوض بات مجرد “ملهاة مقصودة”، لهذا من المرجح أن تُعلّق المفاوضات أو تُفرغ من مضمونها. هذا سيعني العودة إلى مربع التصعيد الشامل، وارتفاع وتيرة حرب الاستنزاف التي تستهدف القوات المتوغلة، مع اتساع دائرة النيران لتشمل عمقاً أكبر على جانبي الحدود.

الاحتمال الثاني: “اتفاق الضرورة” تحت ضغط الاستنزاف والوقت (السيناريو المعقّد) أن تدفع الخسائر الميدانية في الجنوب (مثل تفجيرات العبوات المتزايدة)، مقرونة بضغوط أميركية استثنائية خوفاً من فقدان السيطرة على الإقليم، إلى إجبار “إسرائيل” على القبول باتفاق “الخطوة بخطوة”. في هذا السيناريو، قد يتمّ إقرار انسحابات جزئية من بعض القرى مقابل إدخال تدريجي للجيش اللبناني، مع ترحيل النقاط العالقة (مثل بنت جبيل والخيام) إلى مراحل لاحقة. إلا أنّ هذا السيناريو يواجه رفضاً لبنانياً لأيّ تجزئة تمسّ السيادة وتُبقي الاحتلال.

خلاصة القول؛ لا يمكن صياغة أيّ اتفاق أو ترتيبات أمنية تحت مقصلة الجرافات الإسرائيلية. إنّ محاولة “إسرائيل” تصوير المقاومة كجهة “خارقة” لاتفاق لم يولد بعد، في حين تحتلّ هي الأرض وتنسف البلدات والقرى، هي محاولة بائسة لقلب الحقائق. وفي نهاية المطاف، سيبقى الميدان، بصموده وقدرة المقاومة على فرض أثمان باهظة على قوات الاحتلال، هو الميزان الحقيقي الذي سيحدّد وجهة مستقبل الجنوب، رافضاً تحويل الملهاة الدبلوماسية إلى شرعنة لاحتلال “إسرائيلي” مقنّع…