Beirut weather 31 ° C
تاريخ النشر August 4, 2026
A A A
جرح وجدان اللبنانيِّين ينتظر عدالة القانون
الكاتب: صلاح سلام

كتب صلاح سلام في اللواء 

في الرابع من آب، لا يستعيد اللبنانيون ذكرى انفجار مرفأ بيروت بوصفها محطة عابرة في رزنامة المآسي الوطنية، بل يعودون إلى الجرح الأكثر عمقاً في تاريخ لبنان الحديث. أكثر من مئتي شهيد، وآلاف الجرحى، وأحياء بكاملها تصدَّعت مبانيها، وعشرات آلاف العائلات اقتُلعت من منازلها في لحظات، بينما لا تزال العدالة، بعد ست سنوات، تبحث عن طريقها إلى الحقيقة.

 

منذ الأيام الأولى للتحقيق، بدا واضحاً أن القضية لن تكون مجرد ملف قضائي، بل ساحة مواجهة بين القضاء ومنظومة النفوذ السياسي والأمني. فقد تعرض المحقق العدلي لسلسلة من الضغوط والتهديدات، وتوالت دعاوى الرد وكف اليد والمخاصمة، وتعطلت جلسات التحقيق مراراً، فيما امتنع عدد من المسؤولين والوزراء والنواب والمديرين السابقين عن المثول أمام القضاء، مستندين إلى تفسيرات دستورية أو حصانات قانونية، الأمر الذي أدى إلى إبطاء مسار التحقيق، وإغراقه في متاهات الإجراءات.

 

ولا يمكن فصل هذه الوقائع عن المناخ السياسي الذي كان سائداً آنذاك، في ظل العهد السابق، حيث تداخلت الاعتبارات السياسية مع عمل المؤسسات، واتُّهمت قوى نافذة، وفي مقدّمها حزب الله، بممارسة نفوذ واسع على مفاصل الدولة الأمنية والقضائية، بما جعل الوصول إلى الحقيقة أكثر تعقيداً، وأضعف ثقة اللبنانيين بقدرة الدولة على محاسبة أي مسؤول مهما كان شأنه.

 

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ما الذي يبرر استمرار هذا التأخير بعد مرور ست سنوات؟ فإذا كانت الضغوط السياسية والتجاذبات قد عطلت التحقيق في مراحل سابقة، فإن اللبنانيين ينتظرون، في عهد دولة السيادة والقانون، من السلطة القضائية أن تثبت استقلاليتها، وأن تتجاوز كل العراقيل، بعدما تبدلت الظروف السياسية، وتكررت الوعود بإطلاق يد القضاء.

 

لا يطالب أهالي الضحايا بأحكام مسبقة، ولا بإدانات سياسية، بل يطالبون بأبسط حقوقهم: صدور القرار الظني، وتحديد المسؤوليات الأولية استناداً إلى الأدلة والوقائع، وفتح الطريق أمام محاكمة عادلة وشفافة. فاستمرار التحقيق بلا نهاية لا يخدم العدالة، بل يحوِّلها إلى وعد مؤجل، ويُشجع الانطباع بأن الزمن كفيل بإطفاء ذاكرة الجريمة.

 

إن قضية انفجار مرفأ بيروت لم تعد اختباراً لقدرة القضاء على كشف حقيقة كارثة وطنية فحسب، بل أصبحت اختباراً لهيبة الدولة نفسها. فالدولة التي تعجز عن كشف المسؤولين عن أكبر انفجار غير نووي على مستوى العالم، وتعجز عن محاسبة المقصرين والمتورطين وفق القانون، تفقد تدريجياً ثقة مواطنيها ومصداقيتها أمام المجتمع الدولي.

 

لقد آن الأوان لأن ينتقل ملف جريمة العصر، التي لا تزال تمثِّل جرحاً مؤلماً في وجدان اللبنانيين، من مرحلة الانتظار إلى مرحلة الحسم القضائي. وأن يأتي اليوم الذي تُكشف فيه الحقيقة كاملة، وتتحقق العدالة التي ينتظرها أهالي الضحايا، وكل من يؤمن بدولة القانون.