Beirut weather 31 ° C
تاريخ النشر August 4, 2026
A A A
ما بعد تراجع ترامب: مأزق «الضغط الأقصى» بفعل صلابة الموقف الإيراني!
الكاتب: حسن حردان

كتب حسن حردان في البناء 

ألقى قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب المفاجئ بالتراجع عن الضربات العسكرية ضدّ إيران، والتوجه نحو مسار تفاوضي مستجدّ حول أمن مضيق هرمز والملف النووي، بظلاله الكثيفة على مراكز القرار في واشنطن. وبينما حاولت الإدارة تصوير هذا القرار في قالب “الاستجابة للجهود الدبلوماسية” وضغوط الحلفاء الإقليميين، كشفت القراءات والتحليلات المتعمّقة في الصحف الأميركية عن طبقات أعمق من التخبّط والمأزق الاستراتيجي، ناجمة أساساً عن صلابة الموقف الإيراني ورفض طهران الخضوع للإملاءات الأميركية.

 

أولاً: أسباب التراجع الأميركي

حسابات الميدان وضغوط الاقتصاد

تعدّدت العوامل التي أجبرت البيت الأبيض على كبح جماح آلته العسكرية في اللحظات الأخيرة، وتتلخص في النقاط التالية:

1 ـ الاقتصاد ومخاوف التضخم: وضعت أزمة مضيق هرمز وتداعياتها على إمدادات الطاقة ضغطاً هائلاً على الإدارة الأميركية. ومع تصاعد شكاوى المستهلكين من كلفة المعيشة وأسعار الوقود، أدرك صناع القرار أنّ الانزلاق نحو حرب مفتوحة قد يدفع الاقتصاد الأميركي إلى أزمة خانقة.

2 ـ هواجس الحلفاء الإقليميين: أقرّ ترامب علناً بأنّ عواصم خليجية رئيسية تواصلت معه لحثه على تفادي ضربة عسكرية واسعة كانت ستشعل المنطقة وتستهدف البنى التحتية النفطية، مما يهدّد استقرار دول الخليج التي وجدت نفسها في مرمى النيران المتبادلة.

3 ـ محدودية الحسم العسكري المنفرد: أثبتت التقارير الميدانية أنّ الضربات الجوية وحدها، رغم قوتها التدميرية، تعجز عن كسر إرادة طهران أو تأمين فتح الممر المائي الحيوي، مما جعل واشنطن تبحث عن مخرج سياسي يحفظ ماء الوجه.

 

ثانياً: المأزق الأميركي…

من الواضح أنّ العامل الأساس في تراجع ترامب إنما يعود الى تنامي “المأزق الاستراتيجي الأميركي” الناتج عن صمود الموقف الإيراني والذي تجسّد في:

*فشل كسر الإرادة السياسية الإيرانية: أثبتت طهران مناعة عالية ضدّ استراتيجية “الضغط الأقصى”، ورفضت الرضوخ للشروط الأميركية المتعلقة بالسيادة وإدارة الممر المائي، مما وضع واشنطن أمام خيارين أحلاهما مرّ: الغرق في تصعيد عسكري غير مأمون العواقب، أو التراجع والجلوس على طاولة تفاوض بشروط محفوفة بالتعثر.

*معضلة فرض الأمر الواقع في هرمز: نجحت إيران في تكريس معادلة ردع ميدانية أثبتت صعوبة تأمين الممر المائي المكتظ بالمخاطر دون تسوية شاملة، مما حوّله إلى فخ استراتيجي يستنزف هيبة الردع الأميركي.

*التناقض بين الخطاب والواقع: التناقض المستمرّ في رسائل الإدارة الأميركية؛ فبينما يتمسك الخطاب الرسمي بلغة التهديد، يقرّ الواقع بأنّ طهران فرضت إيقاعها الخاص على مسار الأزمة، مما يجعل أيّ اتفاق محكوم بمدى قبول واشنطن لصيغة تسوية لا تلبّي بالضرورة طموحات صقور الحزب الجمهوري.

 

ثالثاً: الاستنتاجات والأفاق المتوقعة

بناءً على المعطيات السابقة، يمكن رسم ملامح الآفاق المستقبلية للمشهد الإقليمي والدولي في عدة استنتاجات رئيسية:

1 ـ هدنة تكتيكية وليست تسوية استراتيجية: يؤكد المشهد الحالي أنّ ما جرى هو “هدنة هشة ومؤقتة” أملتها الضرورات التكتيكية والاقتصادية، وليست نهاية للصراع الجذري. فالتراجع الأميركي لم يأتِ من رغبة سلام حقيقية، بل من إقرار واقعي بصعوبة المواجهة.

2 ـ اختبار حرج على طاولة المفاوضات: ستواجه جولات المحادثات الجديدة امتحاناً عسيراً وسريعاً؛ فرفض طهران التنازل عن سيادتها ومكاسبها الميدانية في هرمز، مقابل إصرار واشنطن وتل أبيب على تفكيك القدرات الاستراتيجية الإيرانية، ينذر بانهيار سريع للتهدئة والعودة إلى نقطة الصفر.

3 ـ احتمالية العودة إلى حافة الهاوية: في حال تعثر المفاوضات أو فشلها في التوصل إلى صيغة وسط، فإنّ خيار العودة إلى التصعيد العسكري سيظلّ قائماً بقوة، لا سيما مع ترقب الدوائر الإسرائيلية لأيّ تسوية قد تراها منقوصة أو مهدّدة لأمن “إسرائيل”، مما يجعل المنطقة بأسرها معلقة على صفيح ساخن وبانتظار اختبار الحقيقة الميداني والدبلوماسي…