Beirut weather 32 ° C
تاريخ النشر August 1, 2026
A A A
متى تستفيق السلطة من عار الاتفاق وصمت ما بعده؟
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في البناء 

لم يكن في الاتفاق الذي وقعته السلطة اللبنانية في 26 حزيران ما يدعو إلى الفخر، بعدما تضمن تنازلات جوهرية عن السيادة، فأخضع انتشار الجيش داخل أرضه لمعايير تحقق وموافقة تشارك “إسرائيل” فيهما، ومنح الاحتلال شرعية الإبقاء بذريعة ربط الانسحاب بنزع سلاح المقاومة، وربط عودة السكان وإعادة الإعمار بنتائج ما سُمّي «المناطق التجريبية»، واستبدل الانسحاب الإسرائيلي الملزم بإعادة انتشار مشروطة، وعلّق لجوء لبنان إلى المحافل الدولية، بما يمسّ حقه في ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب والمطالبة بالتعويض عنها.

 

تتجاوز هذه التنازلات مفهوم السيادة إلى حقوق تحميها اتفاقيات جنيف وقواعد القانون الدولي الإنساني، حيث تحظر المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة ترحيل سكان الأرض المحتلة أو منعهم من العودة إليها، وتحظر المادة 53 تدمير ممتلكاتهم إلا عند وجود ضرورة عسكرية مطلقة. كما تفرض اتفاقية لاهاي لعام 1954 حماية المواقع الأثرية والثقافية، وتمنع استخدامها أو استهدافها أو تخريبها. لكن الاتفاق تعامل مع العودة والإعمار باعتبارهما امتيازاً تمنحهما لجنة سياسيّة بعد «التحقق»، لا حقين أصيلين لأصحاب الأرض.

 

ومع ذلك، لم يعد أخطر ما يجري هو مضمون الاتفاق وحده، بل صمت السلطة القاتل أمام تمادي الاحتلال في التصرّف كأن الحرب مستمرة، بينما يطلب من لبنان تطبيق الاتفاق من طرف واحد وعلى طرف واحد. والسؤال البسيط، أين قضية الأسرى اللبنانيين؟ كان ممكناً، قبل التوقيع، جعل إطلاقهم شرطاً لبدء أي تفاوض أو تنفيذ. وكان ممكناً تعليق المشاركة فوراً عندما رفضت “إسرائيل” إعادتهم. لكن الملف غاب عن شروط السلطة، وبقي الأسرى في سجون الاحتلال بعدما قدّم لبنان ما لديه من أوراق مجاناً. والتأخير غير المبرر في إعادة الأسرى والمحتجزين تحظره قواعد القانون الدولي، ولا يجوز تحويل حريتهم إلى تفصيل مؤجل.

 

أين موقف السلطة من التفجيرات اليوميّة؟ لم تكتف “إسرائيل” باحتلال البلدات ومنع سكانها من العودة، بل نفذت عشرات التفجيرات الضخمة التي دمّرت المنازل والبنى التحتية وغيرت معالم القرى. وجاء التفجير الهائل في مرتفعات الشقيف وأرنون، باستخدام مئات الأطنان من المتفجّرات وفق الرواية الإسرائيلية، ليؤكد أن الاحتلال لا ينفذ إعادة انتشار، بل يمحو الأرض قبل أي انسحاب محتمل.

 

ولا تنفصل هذه الجريمة عن العبث بقلعة الشقيف، الموقع التاريخي الذي يزيد عمره على تسعة قرون. فقد احتلت إسرائيل القلعة، ورفعت علمها فوقها، واستخدمت محيطها لأغراض عسكرية، ثم نفذت تفجيرات هائلة في نطاقها. بينما تفرض اتفاقية لاهاي على القوة المحتلة حماية الممتلكات الثقافية والتعاون مع السلطات الوطنية لصونها، لا تحويلها إلى ثكنة ونقطة سيطرة ومسرح تفجير. وكان واجب الحكومة استدعاء اليونسكو ورفع شكوى دولية عاجلة، لا الاكتفاء ببيانات تختفي بعد ساعات.

 

وتواصل “إسرائيل” البقاء شمال الليطاني، في مرتفعات الشقيف وعلي الطاهر ومناطق أخرى، خلافاً لكل ادعاء بأن الاتفاق يمهّد للانسحاب. وتتنمّر على الجيش اللبناني داخل أرضه، فتطلق النار قرب وحداته، وتقيد حركته، وتقرّر أين ينتشر ومتى يدخل، ثم تطلب منه إثبات أهليته أمام لجنة تجلس فيها دولة الاحتلال حَكَماً وشريكاً.

 

متى تستفيق السلطة؟ هل تنتظر تدمير آخر منزل، ونسف آخر بلدة، وتحويل آخر موقع أثريّ إلى قاعدة إسرائيلية؟ كان الاتفاق عاراً بسبب تنازلاته، لكن استمرار تنفيذه في ظل الاحتلال والتفجير والأسر واستهداف الجيش يحوّل العار إلى شراكة في تغطية نتائج الحرب.

 

أقل ما يجب فعله هو تعليق المفاوضات والامتناع عن تنفيذ المناطق التجريبية، وربط العودة إليهما بإطلاق الأسرى، ووقف التفجيرات، وحماية المواقع الأثرية، ووقف شامل لإطلاق النار، وجدول ملزم للانسحاب الكامل. فلا اتفاق مع طرف يتصرّف كقوة حرب، ولا التزامات لبنانية مجانية بينما تستبيح “إسرائيل” الأرض والسكان والجيش والتاريخ.