Beirut weather 32 ° C
تاريخ النشر July 30, 2026
A A A
عقوبة الإعدام في لبنان بين مقتضيات حماية الحق في الحياة وضرورة صون الأمن القانوني للمجتمع
الكاتب: د. حسين محمود رمال

كتب د. حسين محمود رمال في “اللواء”:

تُعدّ عقوبة الإعدام من أكثر المسائل الجنائية إثارة للجدل في الفكر القانوني المعاصر، لارتباطها المباشر بأسمى حق من حقوق الإنسان، وهو الحق في الحياة، وفي الوقت ذاته باتصالها بالوظيفة الأساسية للقانون الجنائي المتمثلة في حماية المجتمع وصيانة النظام العام وردع الأفعال التي تهدّد وجود الأفراد وأمنهم. ومن هنا فإن البحث في عقوبة الإعدام لا يمكن أن يُختزل في موقف مبدئي مؤيد أو رافض، بل يقتضي دراسة قانونية مرتبطة بخصوصية الواقع الاجتماعي والأمني والدستوري للدولة.

وفي لبنان، تبرز هذه الإشكالية بصورة خاصة، إذ إن النقاش حول الإبقاء على عقوبة الإعدام أو إلغائها لا ينفصل عن طبيعة الظروف التي يعيشها المجتمع اللبناني، وعن مدى قدرة الدولة على فرض سيادة القانون وحماية المواطنين من الجرائم الخطيرة التي تمسّ حقهم في الحياة والأمن الشخصي والنفسي.

وقد نصّ قانون العقوبات اللبناني في المادة 549 على عقوبة الإعدام في حالات القتل العمد المشدّد، ولا سيما عندما يقترن القتل بظروف تزيد من خطورته، كالسبق والإصرار أو بعض الحالات التي تدلّ على خطورة إجرامية استثنائية لدى الفاعل. وبالتالي فإن المشرّع اللبناني لم يقرّر هذه العقوبة بصورة مطلقة، بل ربطها بأفعال اعتبرها من أخطر الجرائم الواقعة على الإنسان والمجتمع.

أولا: الأساس القانوني لعقوبة الإعدام وارتباطها بوظيفة القانون الجنائي

يقوم القانون الجنائي في جوهره على معادلة دقيقة بين حماية الفرد من تعسّف السلطة وحماية المجتمع من الاعتداءات التي تهدّد أمنه واستقراره. فالعقوبة ليست انتقاماً من الجاني، بل هي وسيلة قانونية تهدف إلى تحقيق الردع العام والخاص، وإعادة الاعتبار للنظام القانوني الذي تم الاعتداء عليه.

ومن هذا المنطلق، فإن عقوبة الإعدام في النظام القانوني اللبناني تستند إلى فلسفة جنائية ترى أن بعض الجرائم تبلغ من الجسامة حدّاً يجعلها اعتداءً مباشراً على الحق في الحياة وعلى سلامة الجماعة، الأمر الذي يبرر، وفق رؤية المشرّع، توقيع أقصى العقوبات على مرتكبيها.

إن المطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام تستند غالباً إلى اعتبارات إنسانية تتعلق باحترام الحياة وإمكان وقوع الخطأ القضائي، وهي اعتبارات جديرة بالنقاش القانوني. إلّا أن أي معالجة لهذه المسألة يجب أن تأخذ في الاعتبار أن حماية حياة الإنسان لا تتحقق فقط بحماية حياة مرتكب الجريمة، بل تبدأ أيضاً بحماية حياة الضحية ومنع سقوط المزيد من الأبرياء تحت وطأة الجريمة المنظمة أو الجرائم العنيفة.

فالدولة التي تتجه إلى تعديل سياستها العقابية يجب أن تنطلق من تقييم موضوعي لواقعها القانوني والمؤسساتي، لا من مقارنات مجردة مع أنظمة قانونية أخرى تختلف في بنيتها الأمنية والقضائية والاجتماعية.

ثانيا: خصوصية الواقع اللبناني وأثره على السياسة الجنائية

إن لبنان، بحكم ظروفه الداخلية وتعقيداته الأمنية وانتشار مظاهر الفوضى في بعض المراحل، يواجه تحدّيات تجعل مسألة العقوبة القصوى مرتبطة بصورة مباشرة بقدرة الدولة على فرض الأمن وسيادة القانون.

فالارتفاع الملحوظ في جرائم القتل، ولا سيما تلك المرتبطة بالسرقة المسلحة أو استخدام الأسلحة غير الشرعية أو النزاعات الفردية، يؤدي إلى اهتزاز الثقة العامة بقدرة الدولة على حماية المواطن. والمواطن لا ينظر إلى القانون فقط من خلال النصوص، بل من خلال فعاليته في الواقع، أي من خلال قدرة المؤسسات القضائية والأمنية على منع الجريمة وتحقيق العدالة.

ومن هنا، فإن إلغاء عقوبة الإعدام في بيئة لم تستكمل فيها الدولة أدوات الردع الفعّال قد يثير مخاوف مشروعة لدى المجتمع، لأن المشكلة لا تكمن فقط في وجود العقوبة من عدمها، بل في قدرة النظام القانوني على تحقيق التوازن بين حقوق الإنسان وحق المجتمع في الأمن.

إن الأمن النفسي للمواطن يشكّل جزءاً من مفهوم الأمن العام، وهو مرتبط بشعور الفرد بأن حياته وممتلكاته مصانة تحت حماية القانون. وعندما تنتشر الجرائم الخطيرة ويشعر المواطن بأن القاتل قد يفلت من العقاب أو أن الأحكام لا تُنفذ بصورة جدّية، فإن ذلك يؤدي إلى إضعاف هيبة القانون وتشجيع بعض أصحاب السلوك الإجرامي على التمادي.

وعليه، فإن الإبقاء على عقوبة الإعدام في هذه المرحلة لا يجب أن يُفهم باعتباره تشجيعاً للعنف أو انتقاصاً من قيمة الحياة، بل باعتباره أداة قانونية استثنائية موجهة إلى الجرائم الأكثر خطورة، في إطار ضمانات المحاكمة العادلة والرقابة القضائية الصارمة.

ثالثا: بين الردع والإصلاح الجنائي

يرى المعارضون لعقوبة الإعدام أن غاية العقوبة الحديثة يجب أن تكون إصلاح الإنسان لا القضاء عليه، وأن العدالة الجنائية ينبغي أن تسعى إلى إعادة دمج الجاني في المجتمع. وهذا المبدأ يشكّل أحد الاتجاهات المهمة في الفكر الجنائي الحديث. غير أن تطبيق هذا التصور يفترض وجود مجتمع مستقر نسبياً، ومؤسسات قوية، ونظام إصلاحي قادر على تحقيق التأهيل الاجتماعي للمحكوم عليهم. أما في الحالات التي تتعلق بجرائم قتل عمدية بالغة الخطورة، فإن القانون يواجه سؤالاً أساسياً يتعلق بحدود حماية المجتمع من أشخاص أثبتوا بخطورتهم الإجرامية تهديداً مباشراً لحياة الآخرين.

فالغاية من العقوبة ليست قتل النفس البشرية، وإنما حماية الحق في الحياة من الاعتداء عليه. وإذا كان الهدف النهائي من تطور القانون الجنائي هو تقليل الجريمة، فإن ذلك لا يتحقق بإلغاء العقوبات بمعزل عن الظروف المحيطة بها، بل بإيجاد منظومة متكاملة تجمع بين الردع والعدالة والإصلاح.

إن عقوبة الإعدام يجب أن تبقى، في النظام اللبناني، ضمن نطاق ضيق جداً، وألا تخضع لأي اعتبارات سياسية أو طائفية أو تدخّلات خارج الإطار القانوني، لأن العدالة تفقد معناها عندما تصبح العقوبة أو عدم تنفيذها خاضعة لموازين خارج المؤسسة القضائية.

رابعا: المعالجة القانونية المطلوبة

إن معالجة ملف عقوبة الإعدام في لبنان لا تكون من خلال رفع شعار الإلغاء أو الإبقاء فقط، بل من خلال بناء دولة قانون قادرة على تحقيق العدالة. ويقتضي ذلك أولاً تعزيز استقلال القضاء، وضمان سرعة المحاكمات، وتنفيذ الأحكام القضائية النهائية وفقاً للأصول القانونية.

كما يقتضي معالجة أسباب تفشي الجريمة، من خلال ضبط انتشار الأسلحة، وتعزيز سلطة الدولة الأمنية والقضائية، ومعالجة الظروف الاجتماعية التي تساعد على نمو العنف والجريمة.

فعندما يصبح لبنان دولة يسود فيها الأمن، وتستعيد المؤسسات كامل دورها، وتتراجع الجرائم التي تهدّد حياة المواطنين، يمكن عندها فتح نقاش أكثر عمقاً حول مستقبل العقوبات القصوى ومدى الحاجة إليها. أما في ظل واقع لا تزال فيه الدولة تواجه تحدّيات جدّية في فرض القانون وحماية المواطنين، فإن الإبقاء على عقوبة الإعدام ضمن الضوابط القانونية قد يشكّل وسيلة وقائية لحماية المجتمع، وليس امتيازاً يمنح للقاتل أو انتقاماً منه.

وعليه كإستنتاج..

إن عقوبة الإعدام في لبنان ليست مجرد نص وارد في المادة 549 من قانون العقوبات، بل هي جزء من سياسة جنائية ترتبط بوظيفة الدولة في حماية الحق في الحياة وضمان الأمن العام. فإلغاء هذه العقوبة لا يمكن أن يكون قراراً منفصلاً عن الواقع، كما أن الإبقاء عليها لا ينبغي أن يتحوّل إلى أداة خارج إطار العدالة.

إن المعيار الحقيقي يجب أن يكون قدرة الدولة على تحقيق التوازن بين احترام الإنسان وحماية المجتمع. فعندما تصبح حياة المواطن مصانة بفعل دولة قوية، وقضاء مستقل، وأمن مستقر، يمكن إعادة تقييم فلسفة العقوبات. أما قبل ذلك، فإن التخلّي عن إحدى أدوات الردع القانونية في مواجهة أخطر الجرائم قد يحمّل المجتمع ثمناً لا يجوز تجاهله. فالقانون لا يهدف إلى الانتقام من الجاني، لكنه أيضاً لا يجوز أن يغفل حق البريء في الحياة، لأن العدالة تبدأ بحماية الضحية قبل مساءلة المعتدي.

* باحث أكاديمي حقوقي في القانون الدولي والدستوري