Beirut weather 30 ° C
تاريخ النشر July 27, 2026
A A A
من محاكمة المقاومة إلى مساءلة وصفة الانكفاء
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في البناء 

على امتداد سنتين، شهدت المنطقة حملة سياسية وإعلامية واسعة لمحاكمة تجربة قوى المقاومة، لم تقتصر على تحميلها مسؤولية القرارات العسكرية، بل حمّلتها كامل الخسائر التي أنزلتها “إسرائيل” بالشعوب والدول. جرى اختزال «طوفان الأقصى» بما حلّ بغزة من قتل ودمار وتهجير، واختزال كل تاريخ المقاومة ونجاحها بتحرير لبنان وحمايته لأكثر من عقدين بجبهة الإسناد اللبنانية وبما أصاب لبنان من شهداء وخراب ونزوح، كأن الاحتلال والاستيطان والحصار وقائع محايدة، وكأن “إسرائيل” لم تكن صاحبة قرار تحويل المواجهة إلى حرب إبادة.

 

لم يكن السؤال عن جدوى المقاومة غير مشروع، ولا كانت مراجعة حساباتها وأدائها محرّمة؛ لكن الحملة تجاوزت المراجعة إلى بناء سردية مقابلة، أن طريق الأمن والازدهار يمر بالانضمام إلى الحلف الأميركي، والانفتاح على “إسرائيل”، وإخراج المقاومة من معادلة الأمن الوطني. وقُدّم النموذج الخليجي مثالاً ناجحاً لهذه الوصفة، استقرار سياسي، نمو اقتصادي، مدن حديثة، واستثمارات عالمية، في مقابل دول الممانعة التي تعيش الحروب والعقوبات والأزمات.

 

بعد عام ونصف على سقوط النظام السوري السابق، لم يعد النقاش نظرياً، لأن النموذج البديل حصل على فرصته الكاملة في دمشق. فقد أعلن الحكم الجديد رغبته في السلام، ابتعد عن إيران وقوى المقاومة، انفتح على واشنطن ودول الخليج، ودخل مفاوضات أمنية مع “إسرائيل” بوساطة أميركية، مطالباً في الحد الأدنى بالعودة إلى اتفاق فصل القوات لعام 1974 وانسحاب “إسرائيل” إلى المواقع التي كانت فيها قبل 8 كانون الأول 2024، لا حتى إلى خط الرابع من حزيران 1967 مع القبول بتأجيل البحث بمصير الجولان المحتل الذي ضمته “إسرائيل” بمباركة أميركية. ومع ذلك، لم تتوقف الغارات الإسرائيلية ولا التوغلات في الجنوب، ولم تنسحب “إسرائيل” من المنطقة العازلة التي احتلتها بعد سقوط النظام وصولاً إلى إعلان نية البقاء إلى الأبد في جبل الشيخ. بل تحدثت عن فرض منطقة منزوعة السلاح في الجنوب السوري على مساحة تزيد عن مساحة لبنان، فيما مضت في توسيع الاستيطان في الجولان المحتل.

 

هكذا طبقت سورية الجديدة «الوصفة المثالية» كاملة، لكنها لم تحصل حتى الآن على الأمن ولا السيادة ولا الانسحاب. والمشكلة لم تكن في نقص الاعتدال السوري، بل في أن “إسرائيل” قرأت الاعتدال باعتباره دليلاً على إمكان طلب المزيد بلا كلفة، بعدما زالت من أمامها عقبات كانت تجبرها على إقامة حسابات مخالفة.

 

وفي الضفة الغربية يظهر الاختبار الأكثر وضوحاً. فمنذ ثلاثة عقود تعتمد السلطة الفلسطينية التنسيق الأمني والتفاوض والاعتراف بـ”إسرائيل”، وهي صاحبة النفوذ الرئيسي في الضفة وتقوم بملاحقة المقاومين وفصائل المقاومة ولا تطلق صواريخ ولا تفتح جبهات إسناد. ومع ذلك لم توفر هذه السياسة حماية للفلسطينيين ولا أوقفت الاستيطان. وخلال عام 2026 دفعت الحكومة الإسرائيلية بخطط لإقامة مستوطنات جديدة وآلاف الوحدات، وخصصت مئات ملايين الدولارات لشق طرق استيطانية، فيما تفاخر وزير الدفاع يسرائيل كاتس بقيادة «ثورة استيطانية» تشمل عشرات التجمعات والمزارع. وفي الأيام الأخيرة أُحرقت مساجد وقرى، وقُتل فلسطينيون، ثم جاء الرد الإسرائيلي باعتقال عشرات الفلسطينيين وتعزيز قوات الاحتلال، لا بمحاكمة المستوطنين. وهنا يصبح السؤال مشروعاً، إذا كانت غزة تُعاقب لأنها قاومت، فلماذا تُعاقب الضفة التي اختارت مسار السلطة والتنسيق؟ وماذا حقق الانكفاء للفلسطينيين أمام مشروع ضمّ لا يُخفي أصحابه أهدافهم؟

 

أما النموذج الخليجي نفسه، فقد واجه في الحرب الأميركية الإيرانية امتحانه الأصعب. حيث لم تمنع القواعد الأميركية انتقال النار إلى الجغرافيا الخليجية، ولم يوفر التحالف مع واشنطن حصانة للمنشآت والأسوق والملاحة. تعطلت حركة هرمز، وارتفع النفط فوق مئة دولار، وتضررت السياحة والطيران والاستثمار، وتراجعت بورصات الخليج مع كل موجة تصعيد. والأخطر أن دول الخليج وجدت نفسها مطالبة بإثبات حسن الجوار مع إيران، فيما تُستخدم أراضيها وقواعدها في حرب عليها. أي إن مظلة الحماية تحولت إلى سبب من أسباب الخطر، وصار الازدهار الموعود رهينة قرار حرب لا تملكه العواصم الخليجية.

 

بينما في لبنان انتقلت الوصفة من التنظير إلى اتفاق 26 حزيران. قبلت السلطة إطاراً أميركياً إسرائيلياً يبدأ بـ«مناطق تجريبية»، يتقدم فيها الجيش اللبناني ويتولى التحقق من السلاح، مقابل وعود بإعادة انتشار إسرائيلية جزئية ومشروطة. لكن “إسرائيل” أعلنت منذ توقيع الاتفاق أنها لن تقوم بإعادة الانتشار ولا الانسحاب، قبل نزع سلاح حزب الله، واحتفظت بمناطق واسعة ونقاط استراتيجية. وفي زوطر الغربية لم تعد السلطة إلى أرض محررة كاملة السيادة؛ دخل الجيش بعد إذن وترتيبات واختبارات، وبقي السكان ممنوعين من العودة ريثما ينتهي التحقق، بينما أطلقت القوات الإسرائيلية النار التحذيرية قرب الجيش واستمرت أعمال الهدم في مناطق أخرى.

 

لم تعد المقاومة وحدها أمام الامتحان. السلطة اللبنانية التي قالت إن الاتفاق يفتح طريق الانسحاب وعودة السكان والإعمار أصبحت مطالبة بتقديم الجواب: أين جدول الانسحاب الشامل؟ وما الذي يضمن ألا تتحول «المناطق التجريبية» إلى سنوات لا نهاية لها من الاختبارات الإسرائيلية؟ ولماذا يقول الرئيس جوزف عون إن الانسحاب يساعد على معالجة السلاح، بينما يقول نتنياهو وكاتس إن لا انسحاب قبل نزع السلاح؟

 

خلاصة التجارب السورية والفلسطينية واللبنانية والخليجية ليست أن المقاومة لا تخطئ أو أن أثمانها قليلة، بل أن ترك المقاومة لا يلغي العدوان تلقائياً. لقد حان الوقت لمحاكمة الوصفة الأخرى بالمعيار نفسه، ماذا جلب الانكفاء؟ وماذا حمى التحالف مع الأميركي؟ وأين انسحبت “إسرائيل” عندما غابت المقاومة؟ الوقائع تقول إن “إسرائيل” لا تكافئ الضعف بالسلام، بل تستثمره لرفع سقف شروطها.