Beirut weather 25 ° C
تاريخ النشر July 24, 2026
A A A
مذكرة التفاهم لم تمت بل تُعاد صياغتها تحت النار
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في البناء 

يبدو في الظاهر ومع تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن انتهاء وقف إطلاق النار وعن تصعيد كبير، وكلام وزير خارجيته ماركو روبيو عن سقوط مذكرة التفاهم، أن استئناف المواجهة الأميركية الإيرانية يعني سقوط مذكرة التفاهم والعودة إلى نقطة الصفر، لكن التدقيق في مسار الحرب وأهدافها يقول شيئاً مختلفاً. لأن الأصح هو أن المذكرة لم تمت، بل تخوض واشنطن وطهران معركة إعادة صياغتها تحت النار، وخصوصاً في بنديها الاستراتيجيين: وقف الحرب والانسحاب الإسرائيلي من لبنان، وتنظيم الملاحة في مضيق هرمز بشراكة إيرانية عُمانية.

 

– لا يصح تفسير عودة الرئيس دونالد ترامب إلى التصعيد بأنها ثمرة استثمار أميركي لفترة التهدئة في إعادة ملء مخزونات النفط والذخائر، طالما أن الأرقام تقول إن الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأميركي واصل الانخفاض حتى بلغ نحو 311 مليون برميل، وهو أدنى مستوى له منذ عام 1983، ولم تستعد واشنطن شيئاً مهماً من أكثر من مئة مليون برميل سحبتها منذ بداية الحرب. أما مخزونات صواريخ الاعتراض والذخائر الدقيقة، فقد بلغت خطوطاً حمراء، فيما تحتاج مضاعفة الطاقة الإنتاجية للمصانع الأميركية إلى سنوات، ويحتاج تعويض بعض المنظومات المستهلكة إلى ما بين سنتين وأربع سنوات وربما أكثر. وأي حديث عن الاستراحة اللازمة لأميركا كي تستعيد قدرتها على خوض جولة جديدة واسعة لا تُقاس بالأسابيع أو الأشهر، بل بالسنوات.

 

– في المقابل، كانت استفادة إيران من الوقت أكبر وأسرع. فمنذ وقف النار في السابع من نيسان، حصلت طهران على نحو ستين يوماً قبل توقيع المذكرة لإعادة ترتيب قيادتها، وإصلاح المنشآت ومداخل الأنفاق وشبكات الاتصال، واستكمال تصنيع عتاد كان موجوداً على خطوط الإنتاج، وتسلم تجهيزات جديدة وتوزيعها على الجبهات والمخازن الأمامية. حاجات إيران لا تشبه حاجات الولايات المتحدة؛ فهي لا تنتظر بناء مصانع جديدة، بل تحتاج إلى وقت قصير نسبياً لإصلاح وتشغيل وتوزيع قدرات موجودة أصلاً.

 

– استفادت إيران نفطياً بصورة أوضح. فقد باعت خلال فترة التهدئة نحو سبعين مليون برميل، وحققت عائدات تُقدّر بخمسة إلى ستة مليارات دولار. ولم تكن أهمية البيع مالية فقط، بل أتاح لها إفراغ خزاناتها البرية والعائمة، وتحرير سعات جديدة لاستيعاب الإنتاج إذا عاد الحصار، وتأجيل خطر تخمة الآبار والاضطرار إلى خفض الإنتاج أو إغلاق بعضها. وهكذا عادت أميركا إلى الحرب باحتياطي نفطي وذخائر أقل، بينما عادت إيران بأموال أكثر، وخزانات فارغة نسبياً، وقدرة عسكرية أعيد تنظيمها وتوزيعها.

 

– لذلك يجب البحث عن تفسير قرار ترامب في مكان آخر. لأن الرهان الأميركي لم يقم على قوة عسكرية مستعادة، ولا كان مؤتمر المنامة مكسباً يحتاج إلى مذكرة التفاهم. حيث تستطيع واشنطن في أي وقت جمع دول الخليج وإصدار بيان يتحدث عن الصواريخ الإيرانية والمسيّرات وقوى المقاومة. بحيث تبدو وظيفة اجتماع المنامة شحذ همم الخليج وشد عصبه خلف مشروع عملي أكبر، إنشاء ممر عُماني في مضيق هرمز، محمي أميركياً ومدعوم خليجياً، يستطيع العمل بمعزل عن التنسيق مع إيران، وتقديمه كمصلحة خليجية بالحفاظ على تجارة نفطية بعيداً عن تأثير إيران وتحكمها.

 

– تسعى واشنطن لتفسير جوهر مذكرة التفاهم من خلال القول إنها لا تنكر طلب إيران باعتبار هرمز «مضيقاً إيرانياً عُمانياً» الواردة في التفاهم، بل تحاول تفسيرها بأنها تعني وجود ممرين: ممر إيراني تشترط طهران التنسيق معها لاستخدامه، وممر عُماني ينسق العابرون فيه مع مسقط وعملياً مع واشنطن. وبهذا تقول أميركا إنها لا تنقلب على المذكرة، بل تطبقها، من يريد المرور عبر الجانب الإيراني فليتفاهم مع إيران، ومن يريد تفادي شروطها فليستخدم الممر العُماني.

 

– الهدف هو إسقاط القيمة الاستراتيجية لقدرة إيران على إغلاق هرمز. فإذا أقفلت طهران ممرها، يفترض أن يبقى الإغلاق بلا قيمة حاسمة ما دام الممر العُماني مفتوحاً ومحميّاً. لكن نجاح هذا المشروع يحتاج إلى ناقلات خليجية تستخدمه، وقواعد وأجواء ومعلومات وتأمين وتمويل، وإلى استعداد دول الخليج لتحمل الرد الإيراني. من هنا أعاد بيان المنامة ملفات الصواريخ وقوى المقاومة إلى الواجهة، لا لأنها أصبحت فجأة موضوع تفاوض قابل للحسم، بل لتقديم إيران بوصفها تهديداً خليجياً مشتركاً، ونقل دول الخليج من موقع الوسيط إلى موقع الشريك في الممرّ وتحمل كلفة فرضه.

 

– أما إيران، فقد فهمت أن تثبيت الممر العُماني ينتزع منها أهم مكاسب المذكرة. ولذلك عملت على تعطيله عملياً، برفع مخاطر العبور وكلفة التأمين، والضغط على الدول الخليجية لإفهامها أن استخدام قواعدها ومياهها وناقلاتها ليس نشاطاً تجارياً محايداً، بل مشاركة في محاولة تجريد إيران من ورقة هرمز. وجاء دخول اليمن وتهديد باب المندب ليقول إن نقل النفط السعودي إلى البحر الأحمر لا يوفر بديلاً آمناً، وإن الالتفاف على عقدة هرمز ينقل نقطة الاختناق ولا يلغيها.

 

– في لبنان تجري العملية ذاتها. كان الربح الاستراتيجي الإيراني الثاني في المذكرة هو وقف الحرب وفتح طريق الانسحاب الإسرائيلي. لكن واشنطن أعادت صياغة هذا البند في صورة اتفاق لبناني إسرائيلي يبدأ بالمناطق التجريبية ونزع السلاح والتحقق، فيما يتحول الانسحاب إلى «إعادة انتشار» محتملة تقرر إسرائيل شروطها وتوقيتها.

 

– وتستطيع واشنطن عندئذ القول لطهران إن البند الأول من المذكرة طُبّق أيضاً، وتقول: لقد توقفت الحرب ولو استمر إطلاق النار، ووقّعت الدولة اللبنانية على اتفاق مع “إسرائيل”، ولم يعد في مقدور أميركا تجاوز اتفاق لبناني إسرائيلي أو إعادة لبنان إلى التفاوض الأميركي الإيراني. وهكذا يُحتفظ بعنوان وقف الحرب، بينما يُفرغ مضمونه: لا انسحاب ملزماً، ولا عودة تلقائية للأهالي، ولا تلازم بين إنهاء الاحتلال ومعالجة السلاح.

 

– لذلك ليست الحرب الحاليّة بلا ضوابط أو أهداف. تضغط واشنطن لحماية الممر العُماني وتثبيت الاتفاق اللبناني الإسرائيلي بوصفهما تطبيقاً للمذكرة. وتضغط إيران لإثبات أن ممر هرمز بلا تفاهم معها مكلف وغير قابل للحياة، وأن وقف الحرب في لبنان بلا انسحاب إسرائيلي ليس تنفيذاً للاتفاق، وأن الاتفاق اللبناني الإسرائيلي غير قابل للحياة.

 

– المذكرة إذاً لم تمت. المعركة الجارية هي على معناها: هل تعني شراكة إيران في أمن هرمز وانسحاب “إسرائيل” من لبنان، أم تعني ممراً عُمانياً يتجاوز إيران واتفاقاً لبنانياً – إسرائيلياً يؤجل الانسحاب؟ وتحت النار يُكتب الجواب.

 

– نجحت إيران بإثبات أن الممر العُماني لا يملك قابلية الحياة، وصوّتت سوق النفط معها سواء بعدد الناقلات التي قبلت العبور رغم التهديد الإيراني، أو بسعر برميل النفط الذي تجاوز عتبة الـ 100$ للبرميل، بينما نجحت أميركا بفعل استجابة السلطة اللبنانية لشروط الاتفاق الإسرائيلية، بإضعاف موقف إيران في البند اللبناني، وتحتاج واشنطن لمزيد من الوقت حتى تظهر قابليّة الممر العُمانيّ للحياة، بينما تحتاج إيران لمزيد من الوقت لإثبات أن الاتفاق اللبناني الإسرائيلي لا يحل مشكلة الاحتلال وهو غير قابل للحياة!