Beirut weather 31 ° C
تاريخ النشر July 22, 2026
A A A
بين التفجيرات والسباحة… بحر صور عصيّ على الاستسلام

كتبت نور فياض:

بين هدير الأمواج وأصوات التفجيرات، يواصل بحر صور كتابة حكاية مدينة ترفض الاستسلام. فبعدما بدا أن الموسم البحري مهدّد، وأن الشاطئ قد يبقى هذا العام يتيماً من روّاده، عاد الزوار ليؤكدوا أن الحياة في المدينة أقوى من الخوف، وأن بحر صور لا يزال وجهة لا يمكن التخلي عنها.

​فمن لا يزر بحر صور، كأنه لم يختبر البحر اللبناني بكل تفاصيله. فهذا الشاطئ ليس مجرد مقصد صيفي، بل جزء من ذاكرة الصوريين والجنوبيين، ووجهة ارتبطت بذكريات آلاف اللبنانيين. كما أنه يستقطب سنوياً أعداداً من السياح والأجانب الذين يجدون فيه واحداً من أجمل شواطئ لبنان وأكثرها تميزاً.

​صور، لؤلؤة الجنوب، لطالما تميّزت ببحرها الذي انتظر اللبنانيون أن تنتهي الحرب قبل انطلاق موسمه، أملاً في استعادة صيف طبيعي بعد أشهر من القلق والترقب. لكن حتى في ذروة المواجهات خلال السنوات الماضية، لم يتخلَّ الزوار عن هذا الشاطئ. فعلى وقع القصف الذي كان يطال محيط المدينة، اختصر أبناء الجنوب المشهد بعبارة: “سباحة وغارة وتفجيرات”.

​قد تكون أعداد الزوار أقل من الصيف الماضي، لكن بحر صور لم يعرف الفراغ. فكل من يقصده يحمل رسالة واحدة: أن الحرب، مهما طالت، لن تحرم الجنوبيين من بحرهم، ولن تنتزع من صور صفتها كواحدة من أبرز الوجهات الصيفية في لبنان.

​تقييم أصحاب المؤسسات: حركة خجولة أملًا بالهدوء

​يقول صاحب “خيمة الفرح” سعيد فرحات، عبر موقع “لبنان الكبير”، إن الموسم السياحي في صور لم يستعد زخمه المعتاد، مشيراً إلى أن الحركة لا تزال دون مستوى العام الماضي، رغم تحسن الأوضاع نسبياً.

​ويضيف: ​”لا يمكن مقارنة أعداد الزوار هذا العام بما كانت عليه في الصيف الماضي؛ فالواقع الأمني لا يزال يلقي بظلاله على المدينة، إذ إن التفجيرات والاستهدافات، وحتى الغارات التي تُنفّذ في الجهة المقابلة للبحر، تجعل كثيرين يترددون في المجيء. المواطن يجلس على الشاطئ للاستمتاع بالبحر، لكنه في الوقت نفسه يسمع أصوات الانفجارات، وكأنه يشاهد فيلم أكشن”.

​ويلفت إلى أن “هذا الواقع انعكس بشكل واضح على حضور المغتربين، الذين يشكلون عادة جزءاً أساسياً من رواد الشاطئ خلال فصل الصيف، إذ إن عددهم هذا العام قليل؛ فكثير منهم فضّل عدم القدوم إلى لبنان بسبب المخاوف الأمنية، فيما ينتظر آخرون مزيداً من الاستقرار قبل حجز رحلاتهم. وهذا الأمر أثّر بشكل مباشر في الحركة الاقتصادية، سواء في الخيم السياحية أو المطاعم والمقاهي المحيطة بالشاطئ”.

​ويؤكد فرحات أن الفارق بين هذا الموسم والموسم الماضي كبير، موضحاً: “في مثل هذا الوقت من السنة الماضية، كان البحر مكتظاً بالناس منذ ساعات الصباح وحتى المساء، وكانت الخيم ممتلئة يومياً. أما اليوم، فتتركز الحركة بشكل أساسي يوم الأحد، بينما تكاد أيام الأسبوع تخلو من الزوار، فلا ترى سوى عدد محدود من العائلات”.

​ويشير إلى أن “التراجع لا يقتصر على الخيم والاستراحات السياحية، بل يشمل أيضاً الشاطئ الرملي المجاني، الذي يقصده عادة آلاف الأشخاص خلال الصيف”، لافتاً إلى أن: “حتى الشاطئ المجاني، الذي لا يحتاج إلى أي رسوم للدخول، لم يعد يشهد الزخم الذي اعتدناه، إذ يقتصر الاكتظاظ على عطلة نهاية الأسبوع، بينما تبقى الحركة خجولة في بقية الأيام”.

​ويأمل فرحات “أن تشهد المرحلة المقبلة استقراراً أمنياً كاملاً، بما يسمح بعودة الحياة إلى طبيعتها”، متمنياً “أن تستقر الأوضاع نهائياً، لأن صور تستحق أن تعود مدينة نابضة بالحياة كما كانت دائماً، وأن يستعيد بحرها مكانته كوجهة يقصدها اللبنانيون والمغتربون والسياح، لما يشكله من متنفس لأهالي الجنوب ولكل من يقصد المدينة”.

​مؤشرات إيجابية وأمل بالشهر المقبل

​من جهته، يقول الناشط وابن مدينة صور هشام نجدي إن “الموسم الصيفي، في المبدأ، جيد رغم كل ما يحصل في قضاء صور”، مشيراً إلى أن “الناس لا تزال تتوافد إلى المدينة وتخرج، والأجواء إيجابية بشكل عام”.

​ويضيف نجدي: “قمنا منذ فترة بحملة لتنظيف المدينة بالتعاون مع البلدية، ونحن كصفحة رسمية لمدينة صور (Tyre Page)، عملنا على حشد الناس للمشاركة فيها، وذلك رغم أن اليوم السابق للحملة شهد ضربات على المنصوري، وهي أيضاً ضمن قضاء صور”.

​ويؤكد أن “الحركة تكون أكثر كثافة خلال أيام الجمعة والسبت والأحد”، معتبراً أن هذا الأمر ليس مستجداً، إذ اعتاد الناس على أن يكون شاطئ صور مكتظاً خلال عطلة نهاية الأسبوع، “والحمد لله، شاطئ صور يكون ممتلئاً بالزوار”.

​ويرى نجدي أن “الموسم الصيفي لا يزال أمامه نحو شهر، وبالتالي من المبكر إجراء تقييم نهائي له”، موضحاً أن الحركة السياحية والاقتصادية تبدو إيجابية حتى الآن، إذ إن المقاهي والمطاعم والفنادق تواصل العمل بشكل طبيعي.

​ويشير إلى أن “الموسم الحالي لا يزال أقل من الموسم الماضي، لكنه يؤكد أن الوقت لا يزال متاحاً لتحسن الحركة خلال الشهر المقبل، مع إمكانية ارتفاع أعداد الزوار والحجوزات، وعودة مزيد من السياح والمغتربين إلى المدينة”.

​ووفقاً لنجدي، فإن “التقييم النهائي للموسم الصيفي يُجرى عادة بعد انتهائه، إلا أن المؤشرات الأولية حتى الآن جيدة جداً”.

​صور… تمسّك بالحياة رغم الظروف

​على الرغم من الاعتداءات المتواصلة والتفجيرات التي يصل صداها إلى ما هو أبعد من مدينة صور، يبقى بحرها عصيّاً على الاستسلام، محافظاً على قدرته في جذب المواطنين والسياح، واستقطاب أبناء المدينة والنازحين إليها، في مشهد يعكس تمسّك الناس بالحياة رغم الظروف الصعبة.

​فشاطئ صور، الذي لطالما شكّل مقصداً خلال فصل الصيف، لا يزال يشهد حركة مقبولة، فيما تتطلع المدينة إلى أن تحمل الأسابيع المقبلة مزيداً من الزوار، ولا سيما السياح والمغتربين، في حال استمر الهدوء على مستوى الجنوب وتحسنت الأوضاع الأمنية. فالحركة السياحية تبقى مرتبطة بشكل مباشر بالاستقرار، وكلما شعر الناس بالأمان، ازدادت قدرتهم على التنقل والخروج وقضاء أوقاتهم على الشاطئ وفي المقاهي والمطاعم.

​ورغم كل الظروف، يبقى بحر صور حاضراً في المشهد الصيفي، مستقطباً رواده ومؤكداً أن الحياة في المدينة لا تتوقف.