Beirut weather 32 ° C
تاريخ النشر July 20, 2026
A A A
اللحظة الأميركية الحرجة
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”:

دخلت الحرب الأميركية على إيران لحظتها الحرجة، لا لأن واشنطن فقدت القدرة على مواصلة الغارات أو تدمير المزيد من المنشآت والرادارات ومنصات الصواريخ، بل لأن النجاح العسكري التكتيكي لم يتحوّل إلى إنجاز استراتيجي في مضيق هرمز. حيث تستطيع الولايات المتحدة تدمير الكثير من المقدرات الإيرانية خلال الأيام المقبلة، وقد تُضعف قدرة إيران على الاستهداف وترفع كلفة استخدامها الصواريخ والمسيّرات، لكن الهدف الأميركيّ المعلن صار ضمان تدفق النفط. ومعيار تحقيق هذا الهدف ليس عدد الغارات ولا حجم الدمار، بل عدد الناقلات التي تعبر بأمان وسلاسة باستمرار.

جربت واشنطن منذ بداية المواجهة أكثر من طريقة لإسقاط القدرة الإيرانية على تعطيل المضيق. فبدأت بمحاولة فرض الحماية العسكرية المباشرة، ثم أطلقت مشروع مواكبة الناقلات بالقوة البحرية والجوية، واستهدفت الرادارات الساحلية وأبراج الاتصال ومنظومات المراقبة، على افتراض أن تعطيل عيون إيران سيعطّل صواريخها ومسيّراتها وقواربها. لكن شركات الشحن بقيت ترفض المغامرة؛ فالحماية العسكرية لا تلغي خطر إصابة واحدة تكفي لإغراق ناقلة أو إشعالها، ولا توفر التأمين التجاري، ولا تقنع الطواقم بقبول الإبحار في منطقة مصنفة شديدة الخطورة.

جاءت مناورة استخدام المياه العُمانية ممراً محمياً بديلاً من المسار الواقع تحت السيطرة الإيرانية لتمثل نقلة نوعية مغرية في الخطة الأميركية. وكانت الغاية أبعد من فتح طريق بحري، إذ أرادت واشنطن استخدام عُمان غطاءً لإعادة تعريف السيادة على المضيق، انطلاقاً من استخدام التعريف الإيراني للمضيق كمنطقة سيادة إيرانية عُمانية، واستثمرت على حصة عُمان من السيادة، بحيث تتحول إدارته إلى شأن أميركي عُماني، وتتراجع إيران من شريك جغرافي وسيادي إلى قوة معطلة خارجة على النظام المقترح. لكن استهداف إيران للسفن حتى في المياه العُمانية أسقط الرهان، وأكد أن الجغرافيا العسكرية للمضيق لا تنفصل عند حدود السيادة القانونية، وأن إيران تستطيع تهديد العبور في الممرّين الإيراني والعُماني معاً.

خلال التفاهم المؤقت، نجحت زيادة محدودة في الحركة، وارتفعت صادرات دول الخليج في النصف الأول من تموز إلى 12 مليون برميل يومياً، وفق بيانات «كبلر»، مقابل 17.6 مليوناً قبل الحرب. لكن الحصيلة بقيت أدنى بنسبة %32 من مستوى شباط، ثم بدأت بالتراجع مجدداً مع استئناف المواجهة. وبلغ عدد الناقلات السلعية العابرة في أحد الأيام ثلاثاً فقط، وهو الأدنى منذ أيار. أما العبور المنظم تحت المظلة الأميركية، والذي يفترض أن يثبت كسر الإرادة الإيرانية، فقد سجل صفراً خلال ثلاثة أيام متتالية، بينما امتنعت شركات شحن عن الانضمام إلى القوافل الأميركية بعد توالي الهجمات.

بعد ثلاثة أيام من العبور المحمي الصفري، يتراجع منطقياً الأمل بتحقيق الهدف خلال الأيام القليلة المقبلة. فالسفن التي غادرت المنطقة أو أوقفت رحلاتها تحتاج إلى ضمانات وتأمين وطواقم جاهزة قبل العودة. وحتى لو حققت الغارات الأميركية إصابات واسعة في البنية العسكرية الإيرانية، لا يكفي ذلك لإثبات فتح المضيق. المطلوب عبور عشرات الناقلات يومياً، لا نجاح ناقلة منفردة تحت حماية أسطول كامل. وهنا يظهر الفارق بين القدرة على تدمير مقدرات إيران والقدرة على انتزاع هرمز منها.

في المقابل، تتحرك ساعة النفط بسرعة. فإذا بدأ السعر من 70 دولاراً وارتفع %25 أسبوعياً، يصل إلى 87.5 دولاراً في الأسبوع الأول، ثم 109.4 دولارات في الثاني، و136.7 دولاراً في الثالث. وحتى وفق المسار الأخفّ، أي 88 ثم 106 ثم 128 دولاراً، تدخل الحرب بعد أسبوعين منطقة الخطر الاقتصادي، وبعد ثلاثة أسابيع منطقة يصعب على الإدارة الأميركية احتمالها. فكل زيادة مستدامة بنسبة %10 في أسعار النفط تضيف، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي، نحو 0.4 نقطة إلى التضخم العالمي، وتخفض الناتج العالمي بين 0.1 و%0.2.

لا يقدم الاحتياطي النفطي الأميركي حلاً حاسماً. فقد هبط إلى 316.5 مليون برميل، وهو المستوى الأدنى منذ عام 1983، بعدما سُحب منه 98.9 مليون برميل منذ بدء الحرب. وتبلغ قدرة الضخ القصوى 4.4 ملايين برميل يومياً، بينما يصل نقص صادرات الخليج قياساً بمستوى ما قبل الحرب إلى 5.6 ملايين يومياً. أي إن استخدام الاحتياطي بأقصى طاقته لا يسدّ الفجوة، ولا يبدأ تأثير النفط المسحوب في السوق قبل نحو 13 يوماً. وبالحساب النظريّ لا يكفي الرصيد الحالي أكثر من 72 يوماً عند الضخ الأقصى، مع استحالة تفريغه سياسياً وعملياً حتى النهاية، ووجود خط أحمر عند كمية 190 مليون برميل هي احتياجات القوات المسلحة الاحتياطية، لتصبح المدة المتاحة من الاستنزاف 30 يوماً فقط.

وتتحرّك بالتوازي ساعة الذخائر. فقد استُخدم خلال الأيام الستة عشر الأولى من الحرب نحو 402 صاروخ «باتريوت»، أي بمعدل يزيد على 25 صاروخاً يومياً، بينما لا تتجاوز التسليمات الفعلية للمخزون الأميركي نحو 100 صاروخ سنوياً. وهذا يعني أن كل يوم قتال بالكثافة ذاتها يستهلك ما يعادل تسليمات ثلاثة أشهر، وأن حصيلة الأيام الستة عشر تعادل تسليمات أربعة أعوام كاملة. وخلال المدة نفسها استُخدم نحو 198 صاروخ «ثاد»، أي أكثر من 12 صاروخاً يومياً، بينما لا تتجاوز الطاقة الإنتاجية السنوية الحالية نحو 96 صاروخاً، ولم تصل دفعات جديدة إلى المخزون الأميركي منذ عام 2023. تستطيع واشنطن مواصلة الحرب، لكنّها ستفعل ذلك بحماية أقل للقواعد والمنشآت، واستنزاف احتياط تحتاج إليه في المحيط الهادئ. ولن يظهر النقص في صورة إعلان نفاد مفاجئ، بل في تقنين الاعتراضات، وتخفيض حماية الحلفاء، وارتفاع نسبة الصواريخ والمسيّرات التي تنجح في اختراق الدفاعات.

لهذا تقع اللحظة الأميركية الحرجة بين اليوم العاشر واليوم العشرين. قد تنجح واشنطن خلالها في تدمير المزيد من المقدرات الإيرانية، لكنها إن لم تحوّل ذلك إلى عبور نفطي مستدام، فسوف تجد نفسها أمام مضيق مقفل عملياً، وبرميل يقترب من 110 دولارات ثم 130، ودفاعات جوية تُستهلك أسرع بعشرات المرات مما تُعوّض. عندها لا يعود السؤال كم دمّرت أميركا في إيران، بل لماذا عجزت، رغم كل هذا الدمار، عن فتح هرمز؟

اللحظة الأميركية الحرجة تقترب رغم الحديث عن حرب كبرى قادمة!