Beirut weather 27 ° C
تاريخ النشر July 16, 2026
A A A
العدوان «الإسرائيلي»… من تدمير القرى إلى محو الجغرافيا اللبنانية؟

كتب عباس المعلم:

لم يعد ما تمارسه “إسرائيل” في الجنوب اللبناني يندرج ضمن مفهوم العمليات العسكرية، ولا حتى ضمن أكثر الحروب قسوةً ووحشيةً كما عرفها التاريخ المعاصر، بل أصبح أقرب إلى عقيدة اقتلاعٍ جغرافي تُدار بمنطق المحو الشامل لا بمنطق الاشتباك. فالتفجيرات الهائلة التي تستهدف القرى الحدودية لا تُخلّف دماراً يمكن ترميمه، ولا أبنيةً قابلةً لإعادة التأهيل، بل تُفضي إلى إزالة بلداتٍ بأكملها من المشهد العمراني، حتى يغدو البحث عن حجرٍ واحدٍ في ركامها ضرباً من العبث. إننا أمام حربٍ لا تكتفي بهزيمة المكان، بل تعمل على إلغاء وجوده المادي، وكأنّ الهدف لم يعد السيطرة على الأرض، بل محو ذاكرتها وإعدام هويتها.
وعليه، فإنّ هذا السلوك يمثل خروجاً فاضحاً على أبسط القواعد التي أرساها القانون الدولي الإنساني، وانقلاباً على فلسفة النزاعات المسلحة التي قامت، نظرياً على الأقلّ، على مبادئ الضرورة العسكرية والتناسب والتمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية. أما حين تتحوّل المتفجرات إلى وسيلة لإزالة قرى كاملة من الخريطة، فإننا لا نكون أمام استخدامٍ مفرط للقوة فحسب، بل أمام ممارسةٍ تُفرغ المنظومة القانونية الدولية من مضمونها، وتجعل المواثيق والاتفاقيات مجرد نصوصٍ فاقدةٍ لأيّ قدرة على ردع القوة حين تقرّر أن تتحوّل إلى قانونٍ قائمٍ بذاته.
أنّ استمرار هذا المشهد لا يمكن قراءته بمعزل عن «اتفاق الإطار» وما ارتبط به من تفاهماتٍ أُعلنت للرأي العام، وما تلاها من حديثٍ عن ملاحق مرافقة لم يصدر بشأنها نفيٌ رسمي واضح حتى الآن. وبغضّ النظر عن الجدل القانوني حول تلك الوثائق، فإنّ الوقائع الميدانية، في تقديري، تشير إلى أنّ “إسرائيل” تتصرف بثقةٍ غير مسبوقة، وكأنها تمتلك هامشاً سياسياً وأمنياً واسعاً يتيح لها ممارسة عدوانها بلا خشيةٍ من أيّ قيدٍ فعلي. وما يثير القلق ليس اتساع العدوان وحده، بل أنّ هذا الاتساع يجري فيما تبدو الدولة اللبنانية عاجزةً عن إنتاج معادلةٍ سياسية أو دبلوماسية أو قانونية تفرض على الاحتلال أيّ كلفةٍ تتناسب مع حجم الجريمة الواقعة على الأرض.
إنّ أخطر ما يمكن أن يصيب الدول ليس الاحتلال وحده، بل أن تعتاد مؤسساتها على إدارة آثاره بدل العمل على كبحه. فالسيادة لا تسقط دفعةً واحدة، وإنما تُستنزف حين يصبح محو القرى حدثاً اعتيادياً، وتتحوّل الجريمة إلى خبرٍ يومي، ويغدو الصمت جزءاً من المشهد العام. وعندما تبلغ دولةٌ ما مرحلة يُمنح فيها المحتلّ، بحكم الوقائع، حريةً شبه مطلقة لإعادة تشكيل الجغرافيا بالنار والمتفجرات، فإنّ الأزمة لم تعد عسكرية فحسب، بل أصبحت أزمةً في معنى الدولة ذاته، وفي وظيفة السلطة، وفي القيمة الحقيقية للسيادة التي يفترض أنها وُجدت لحماية الأرض والإنسان، لا لإدارة خسائرهما. والتاريخ، في نهاية المطاف، لا يحاكم الدول بما أعلنته من مواقف، بل بما سمحت بحدوثه على أرضها، وبما عجزت أو امتنعت عن منعه، حين كان المنع لا يزال ممكناً…