Beirut weather 30 ° C
تاريخ النشر July 16, 2026
A A A
خطر خفي تحت الأرض: كيف يهدد القصف الإسرائيلي المتواصل الخزانات الجوفية في جنوب لبنان؟

كتبت شانتال عاصي:

في كل مرة يتوقف فيها القصف، نظن أن الفصل انتهى. لكن الحقيقة أن جزءًا كبيرًا من الأذى لا يُرى فورًا، بل يبدأ للتو تحت أقدامنا، في طبقات الصخر التي خزّنت المياه لأجيال. جنوب لبنان، الذي عاش عقودًا من الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، يواجه اليوم شكلًا آخر من أشكال الخطر، أقل ضجيجًا من الدمار الظاهر في المنازل والطرقات، لكنه ربما أكثر عمقًا في تأثيره على المدى البعيد: تهديد الخزانات الجوفية.

 

 

المياه الجوفية في الجنوب: شريان حياة يواجه مخاطر متصاعدة

من يعرف القرى الجنوبية عن قرب، يدرك أن المياه هناك ليست خدمة بلدية عادية. هي شرط بقاء بالمعنى الحرفي. عشرات آلاف العائلات تعيش من زراعة الزيتون والحمضيات والتبغ، وهذه الزراعات لا تقوم إلا على مياه ري نظيفة ومستقرة. وكثير من هذه البلدات لا يملك أصلًا شبكة مياه بديلة موثوقة، فيبقى الاعتماد شبه كامل على الآبار والينابيع التي تغذيها الخزانات الجوفية.

لهذا، أي اضطراب يصيب هذا النظام الطبيعي لا يبقى مسألة تقنية بحتة. هو يمس بشكل مباشر جودة ما يشربه الناس، ومصير مواسم الزراعة، وربما مستقبل قرى بأكملها.

إنّ جيولوجيا جنوب لبنان كارستية بامتياز، أي أنها مبنية من صخور كلسية ودولوميتية مشقوقة بشكل طبيعي، فيها فجوات وقنوات صغيرة تسمح للمياه بالتجمع والتحرك. هذه البنية هي بالضبط ما يجعل المنطقة غنية بالينابيع، لكنها أيضًا ما يجعلها هشة أمام أي اهتزاز عنيف.

حين يقع انفجار قوي، فإن الموجة الصدمية لا تتوقف عند سطح الأرض. هي تنتقل داخل الصخر، وقد تُوسّع شقوقًا كانت موجودة أصلًا، أو تفتح مسارات جديدة لم تكن قائمة من قبل. النتيجة؟ قد يتغيّر اتجاه جريان المياه الجوفية بالكامل، فتجف بعض الآبار التي اعتاد عليها الأهالي منذ زمن أجدادهم، بينما تظهر فجأة ينابيع جديدة في أماكن غير متوقعة، أو العكس تمامًا.

وكلما اقترب الانفجار من الخزان الجوفي، وكانت قوته أكبر، زاد احتمال حدوث تغيرات لا رجعة فيها، مثل انهيار تجاويف طبيعية كانت تعمل كخزانات صغيرة، أو انسداد قنوات مائية استمرت في تغذية المنطقة لعقود طويلة.

 

 

المخلفات الكيميائية: حين يصبح الانفجار نفسه مصدر تلوث دائم

المشكلة لا تنتهي عند التأثير الميكانيكي في الصخر. فالذخائر والقذائف، سواء انفجرت بالكامل أو بقيت جزئيًا في التربة، تترك خلفها بقايا كيميائية، أبرزها معادن ثقيلة كالرصاص والزئبق والكادميوم، إلى جانب مركبات ناتجة عن احتراق المواد المتفجرة نفسها.

وهنا بالتحديد تكمن الخطورة الإضافية لطبيعة الأرض في الجنوب: في تربة عادية، تأخذ هذه الملوثات وقتًا طويلًا قبل أن تصل إلى المياه الجوفية، لأن التربة تعمل كمرشّح طبيعي. لكن في بيئة كارستية مليئة بالشقوق، تتحول هذه الشقوق إلى ما يشبه طرقًا سريعة تنقل الملوثات مباشرة نحو الخزان الجوفي، متجاوزة قدرة الأرض على التنقية الذاتية.

من هنا، يصبح احتمال وصول هذه الملوثات إلى مياه الشرب والري في مدى زمني أقصر بكثير مما نتخيل، وهو ما يفتح الباب أمام تراكمها تدريجيًا في التربة، ثم في المحاصيل الزراعية، وصولًا في النهاية إلى موائد الناس.

أما الأمر المقلق في هذا النوع من التلوث، فهو أنه لا يظهر أثره بشكل فوري ودرامي، بل يتراكم بصمت. التعرض المستمر، حتى لجرعات صغيرة من المعادن الثقيلة عبر الماء أو الغذاء، قد يُترجم بعد سنوات إلى مشكلات صحية مزمنة: اضطرابات في الجهاز العصبي، تراجع في وظائف الكلى، وقلق طبي مشروع من ارتفاع احتمالات الإصابة ببعض الأمراض السرطانية على المدى الطويل.

والأطفال والحوامل، كما هو الحال في معظم قصص التلوث البيئي حول العالم، هم الفئة الأكثر عرضة لهذه المخاطر. وغياب فحص دوري ومنتظم لمياه الآبار في المناطق المتضررة يعني، ببساطة، أننا نتعامل مع مجهول قد يتحول لاحقًا إلى أزمة صحية عامة.

باختصار، إنّ اقتصاد الجنوب زراعي في جوهره، وأي شك في سلامة مياه الري يوقف دورة إنتاج كاملة، حتى قبل أن نتحدث عن كمية المحصول أو جودته. فحتى لو أُعيد تشغيل الآبار ومحطات الضخ المتضررة غدًا، تبقى مسألة سلامة التربة والمياه من الملوثات الكيميائية هي الفيصل في تحديد ما إذا كانت هذه الأراضي صالحة فعلًا للزراعة من جديد.

وتسرب الملوثات عبر مياه الري إلى النباتات لا يهدد فقط دخل المزارع، بل يضع علامة استفهام حول سلامة الغذاء الذي يصل لاحقًا إلى الأسواق المحلية، وهذا بحد ذاته ملف يستحق اهتمامًا أكبر بكثير مما يحظى به اليوم.

 

 

أزمة لا تأتي وحدها: حين يلتقي القصف بالجفاف والانهيار الاقتصادي

من الصعب النظر إلى خطر تلوث المياه الجوفية في الجنوب بمعزل عن الصورة الأكبر لأزمة المياه في لبنان عمومًا. البلاد تمر أصلًا بواحدة من أقسى موجات الجفاف منذ عقود، ما انعكس تراجعًا حادًا في مخزون السدود والبحيرات، بينما يجعل الانهيار الاقتصادي المستمر تشغيل مضخات المياه، التي تعتمد غالبًا على وقود الديزل، عبئًا يفوق طاقة كثير من الأسر والبلديات على السواء.

وحين يُضاف إلى هذا كله الضرر المباشر الذي تتعرض له شبكات المياه والآبار بفعل القصف، لا نعود نتحدث عن أزمة ندرة مياه فقط، بل عن أزمة مركّبة تطال الكمية والجودة معًا. فالمياه القليلة أصلًا قد تكون، في الوقت نفسه، أكثر عرضة للتلوث، وهذا يضاعف الضغط على سكان يعتمدون أساسًا على شبكات مياه عامة تعاني انهيارات متكررة حتى في الظروف العادية.

 

 

الأرقام تتكلم: ماذا يقول تقرير أوكسفام عن أزمة المياه في لبنان؟

حتى لا يبقى الكلام في خانة الانطباع العام، من المفيد العودة إلى ما ورد في أحدث تقرير لمنظمة أوكسفام حول واقع المياه في لبنان، لأنه يضع الأرقام أمام الصورة الكبيرة التي وصفناها أعلاه.

يشير التقرير إلى أن أكثر من أربعة ملايين شخص في لبنان يعتمدون أصلًا على شبكات المياه العامة، وهي شبكة تعاني اليوم من انهيارات متعددة في وقت واحد. فالبلاد تمر بما وصفه التقرير بأنه أسوأ موجة جفاف تشهدها منذ خمسة وستين عامًا، وقد انعكس ذلك بشكل مباشر على أكبر خزان مائي في البلاد، بحيرة القرعون، التي لم تستقبل خلال موسم الأمطار الأخير سوى نسبة محدودة جدًا من معدلها السنوي المعتاد، في أدنى مستوى تسجّله منذ بدء الرصد.

ثم جاء تصعيد آذار 2026 ليضيف طبقة جديدة من التعقيد: فبحسب التقرير، أدى هذا التصعيد إلى نزوح أكثر من مليون شخص خلال أسابيع قليلة فقط، مع أضرار مباشرة لحقت بالبنية التحتية للمياه التي كانت أصلًا تحت ضغط كبير. وفي الأيام الأربعة الأولى من هذا التصعيد وحدها، تضررت عدة مصادر مياه أساسية في منطقة البقاع، ما أدى إلى انقطاع المياه عن آلاف الأشخاص هناك.

أما على صعيد الأمن المائي في المنازل، فقد خلصت دراسة أجراها الصليب الأحمر عام 2025، بحسب ما أورده تقرير أوكسفام، إلى أن الغالبية الساحقة من الأسر اللبنانية، أكثر من تسعة أسر من كل عشر، تعاني من مستوى متوسط إلى شديد من انعدام الأمن المائي. وهذا الرقم وحده كافٍ لفهم حجم الهشاشة التي كانت قائمة قبل أي حديث عن أثر القصف على الخزانات الجوفية تحديدًا.

كما يذكّر التقرير بأن الأزمة ليست وليدة اليوم، فحتى قبل التصعيد الأخير، كانت بيانات اليونيسف لعام 2021 قد أظهرت أن نحو 1.7 مليون شخص في لبنان لا يحصلون سوى على كمية محدودة جدًا من المياه يوميًا، تقل بنسبة كبيرة عن المعدل الوطني الذي كان سائدًا قبل عام 2020. وهذا التراجع، بحسب التقرير، مرتبط بشكل مباشر بانهيار اقتصادي انكمش فيه الناتج المحلي بأكثر من ثلث قيمته خلال سنوات قليلة، إلى جانب انهيار موازٍ في شبكة الكهرباء التي تعتمد عليها مضخات المياه في الأصل.

وعلى الصعيد الصحي، رصدت بيانات منظمة الصحة العالمية، بحسب التقرير، مئات حالات الإصابة بأمراض منقولة بالغذاء والماء خلال أسبوع واحد فقط في أبريل 2026، بمستويات وُصفت بأنها مرتفعة. كما حدّدت خرائط المخاطر عشرات المناطق اللبنانية المعرّضة بشدة لتفشي أمراض مرتبطة بنقص المياه، مع تحذيرات من احتمال عودة الكوليرا كمرض متوطن إذا لم تتحسن الأوضاع.

هذه الأرقام، التي تخص لبنان ككل، لا تُلغي خصوصية جنوب لبنان، بل تجعلها أكثر إلحاحًا: فحين يضاف تلوث محتمل للخزانات الجوفية بفعل القصف إلى بلد تعيش فيه نسبة كبيرة من السكان أصلًا تحت خط الفقر، وتعتمد فيه ملايين الأسر على شبكة مياه متهالكة، يصبح أي ضرر إضافي في الجنوب أشبه بضربة موجعة تصيب حلقة هشة أصلًا في سلسلة طويلة من الأزمات المتراكمة.

 

 

هل يمكن رصد هذا الخطر قبل أن يتفاقم؟

الجيد في الأمر أن العلم يملك اليوم أدوات دقيقة نسبيًا لمتابعة ما يحدث تحت الأرض. تقنيات التصوير الزلزالي، مثلًا، تساعد في تحديد مناطق الضعف والتشقق الجديدة في الصخر. وتقنيات المقاومة الكهربائية تتيح تتبع مسارات حركة المياه الجوفية بدقة أكبر.

لكن هذه الأدوات، مهما كانت متطورة، تبقى محدودة الفائدة دون شبكة مراقبة ميدانية دائمة: عينات مياه تُفحص بانتظام من الآبار والينابيع في المناطق المتضررة، وتعاون فعلي بين الجامعات والبلديات والمؤسسات المختصة بالمياه، لأن البيانات وحدها لا تحمي أحدًا ما لم تتحول إلى قرارات فعلية على الأرض.

 

 

في انتظار الدراسات الشاملة… ماذا يمكن فعله الآن؟

ريثما تكتمل الدراسات المعمقة، هناك بعض الخطوات البسيطة والعملية التي يمكن للسكان والجهات المعنية اعتمادها فورًا لتقليل المخاطر المباشرة:

– عدم استخدام مياه الآبار القريبة من مناطق القصف قبل إخضاعها لفحص مخبري دقيق.

– غسل المحاصيل الزراعية جيدًا قبل الاستهلاك، خصوصًا في الأراضي التي شهدت قصفًا مباشرًا أو قريبًا منها.

– تجنّب استثمار الأراضي المشتبه بتلوثها زراعيًا إلى حين التأكد من سلامة تربتها.

– الحد قدر الإمكان من التعرض لغبار الركام الناتج عن الأبنية المدمرة.

– الضغط من أجل إدراج فحص جودة المياه كبند أساسي، لا هامشي، ضمن أي خطة لإعادة إعمار القرى المتضررة.

 

إعادة الإعمار تبدأ بإحياء الموارد المائية

أخيراً، نتحدث كثيرًا عن إعادة إعمار الجنوب باعتبارها ترميم منازل وإصلاح طرقات، وهذا صحيح لكنه غير كافٍ. الملف الأصعب، والأقل حضورًا في النقاش العام، هو سلامة الموارد المائية والبيئية. فالحياة الطبيعية في القرى الجنوبية لن تعود فعليًا ما لم تُستعد الثقة بمياه الشرب والري، وما لم تطمئن الدراسات العلمية الناس إلى أن الخزانات الجوفية التي عاشوا عليها أجيالًا كاملة لا تزال آمنة.

يمكن للمنازل أن تُبنى من جديد خلال سنوات قليلة. أما ما أصاب باطن الأرض من تغيرات، فقد يحتاج إلى عقود من المراقبة والمعالجة الدقيقة. وبين هذا وذاك، تبقى حماية المياه الجوفية في جنوب لبنان قضية لا تحتمل مزيدًا من التأجيل، بل شرطًا أساسيًا لضمان مستقبل آمن لمن سيأتون بعدنا في هذه الأرض.