Beirut weather 31 ° C
تاريخ النشر July 14, 2026
A A A
معركة مضيق هرمز: الانقلاب الأميركي على التفاهمات والمقامرة بحرب الممرات

كتب حسن حردان:

إذا كانت واشنطن فشلت في إسقاط النظام في إيران، وهي الآن لا تملك القدرة على منع طهران من التحكم بإدارة المضيق وإغلاقه وفتحه، فلماذا لجأت الى الانقلاب على مذكرة التفاهم التي تقرّ بإدارة إيران للملاحة في هرمز، وهي تعرف أنّ طهران ستردّ على ذلك بالعودة الى إغلاق المضيق وقصف القواعد الأميركية رداً على القصف الأميركي لمواقع إيرانية، مما يرفع أسعار الطاقة ويعيد الأزمة الى الأسواق؟
الإجابة على هذه الأسئلة يضع الإصبع على جوهر المعضلة الجيوسياسية التي تحرّك صانع القرار في واشنطن. هذا “الانقلاب” أو التراجع الأميركي عن التفاهمات، رغم المعرفة المسبقة بردّ الفعل الإيراني العنيف (إغلاق المضيق واستهداف القواعد)، لا ينطلق من جهل بالنتائج، بل هو نتاج حسابات معقدة بين مراكز القوى في واشنطن والضغوط الإقليمية.
لفهم لماذا جازفت واشنطن بتفجير “مذكرة التفاهم” (اتفاق إسلام آباد) الموقعة في حزيران 2026، يجب تفحّص الدوافع الأميركية التي جعلت التراجع، بنظرهم، خياراً إجبارياً رغم خطورته:

أولاً: محاولة منع تشريع السيادة الإيرانية الكاملة على المضيق
مذكرة التفاهم نصّت في بندها الخامس على صياغة إدارة مستقبلية للمضيق بالتشاور مع سلطنة عُمان والدول المشاطئة. هذا البند أعطى إيران، مرحلياً ريثما تنتهي المفاوضات باتفاق نهائي، الحقّ الحصري في إدارة الممرّ المائي، وتفتيش السفن وتحديد مسارات العبور والخروج.
بالنسبة لواشنطن، القبول بهذا التفسير يعني سقوط مبدأ “حرية الملاحة الدولية” بقيادة أميركا منذ الحرب العالمية الثانية.
التراجع هنا هو محاولة لمنع تحوّل السيطرة الإيرانية من “أداة ضغط مؤقتة في الحرب” إلى “قانون دولي جديد وشرعي” يعطي طهران مفتاح الطاقة العالمي بشكل دائم.

ثانياً: الانقسام الداخلي الحاد في الولايات المتحدة (صراع أجنحة)
الاتفاق الذي رعته الإدارة الأميركية واجه هجوماً داخلياً شرساً فور إعلان تفاصيله (خاصة ما يتعلق بصندوق إعادة الإعمار إيران، البالغ 300 مليار دولار ورفع الحصار عن صادرات النفط الإيرانية).
اتُّهمت الإدارة من قِبل الكونغرس والمعارضة بأنها قدّمت “صفقة استسلام” تمنح الحرس الثوري شرياناً مالياً ضخماً دون “تفكيك ترسانته الصاروخية أو شبكة تحالفاته الإقليمية”.
هذا الضغط الداخلي الهائل جعل الإدارة تتراجع وتبحث عن “ثغرات تفسيرية” (مثل الخلاف حول بند الرسوم وإدارة الملاحة) للتنصل من الالتزامات الاقتصادية الكبرى، حتى لو أدّى ذلك لتجدّد الاشتباك.

ثالثاً: فيتو الحلفاء الإقليميين والضغط “الإسرائيلي” عبر اللوبي
الاتفاق نص على إنهاء العمليات القتالية على كافة الجبهات بما فيها لبنان، ورفع القيود عن إيران. هذا الأمر اعتبره حلفاء واشنطن الإقليميون، وتحديداً “إسرائيل”، بمثابة إعلان انتصار للمحور الإيراني المقاوم، وتثبيت لمعادلاته. الضغط الإسرائيلي والدبلوماسي المكثف، بواسطة اللوبي الصهيوني، على البيت الأبيض دفع باتجاه محاولة “تعديل شروط الاتفاق” أثناء المفاوضات الفنية في سويسرا، وهو ما رفضته طهران تماماً واعتبرته واشنطن انقلاباً.

رابعاً: استراتيجية “الحافة الحادة” وإعادة اختبار الردع
الولايات المتحدة بعد فشلها في “إسقاط النظام” عسكرياً، وتلاشي رهانها على انقلاب الشارع الإيراني ضدّ نظامه خصوصا بعد مشاركة الملايين في تشييع ووداع قائدهم التاريخي الشهيد السيد علي الخامنئي، لجأت الى ممارسة سياسة إدارة الصراع تحت سقف الحرب الشاملة. تراهن واشنطن عبرها على أنّ توجيه ضربات انتقامية محدودة ضدّ منصات الصواريخ وقواعد المُسيّرات الإيرانية الساحلية سيمكّنها من “تخفيض كلفة” إغلاق المضيق، وإجبار طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط أدنى، دون القبول بمنحها اعترافاً كاملاً بالسيادة المطلقة على الملاحة الدولية.
المحصّلة الاستراتيجية: واشنطن تجد نفسها بين خيارين أحلاهما مرّ: إما القبول باتفاق يمنح إيران نفوذاً إستراتيجياً ومالياً غير مسبوق يهدّد الهيمنة الأميركية في الشرق الأوسط، أو المخاطرة بالعودة إلى “حرب الممرات المائية” والقصف المتبادل. وقد اختارت الإدارة الأميركية الخيار الثاني، ظناً منها أنها قادرة على تحمّل الضربات الموضعية وضبط إيقاع التصعيد، متجاهلة أنّ إيران تعتبر معركة المضيق معركة وجودية لن تقبل فيها بنصف حلّ…