Beirut weather 31 ° C
تاريخ النشر July 14, 2026
A A A
رسالة شارل مالك للرئيسين عون وسلام
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”:

فخامة الرئيس جوزف عون، دولة الرئيس نواف سلام.

كتبتُ في الخامس من آب 1949 إلى رئيس الجمهورية بشارة الخوري ورئيس الحكومة رياض الصلح، رسالة مطوّلة طلبتُ منهما فيها أن يقرآ تقريري؛ لأنني كنت أرى ما هو آتٍ. لم أكن أتنبأ بالغيب، بل كنت أقرأ “إسرائيل” كما هي، وأميركا كما هي، والعرب كما هم، ولبنان كما ينبغي أن يكون.
قلت يومها: «سيأتي العهد اليهودي حتماً إذا ظل العالم العربي على تأخره وتفككه الحاضرين». وقلت إن «استقلال لبنان ضرورة تامة»، وإن «استقلال لبنان لا يتجزأ عن العالم العربي»، وإن «وزن العرب الأميركي لا شيء بالنسبة لوزن اليهود»، وإن أميركا، «في كل تعارض جوهري بين المصلحة الإسرائيلية والمصلحة العربية، ستؤيد المصلحة الإسرائيلية».
وها أنا أودعكما الرسالة التي أعددتها لكما منذ ذلك التاريخ وقد توقعت أن نصل لما نحن عليه اليوم:

فخامة الرئيس… دولة الرئيس،
لقد بتّ مقتنعاً أن العصر الذي نعيش فيه هو عصر يُحسب للقوة فيه حساب كبير. وسياسة الأمر المفعول، كسياسة القوة، هجومية كانت أم دفاعية، لم تزولا في عصر الاحتكام القانوني والتداول السلمي والمنظمة الأممية. وبقطع النظر عن كل اعتبار آخر، فإن الدولة ذات الحق في أية قضية من القضايا، يكون لها وزن أبلغ لصيانة حقها إذا كانت لها قوة أكثر فعالية ومهابة. ولقد علمتنا محنة فلسطين أنه لو استطاعت الجيوش العربية أن تسحق مقاومة جيش “إسرائيل”، لاتخذت المساومات الدبلوماسية والمداولات السياسية فيما بعد مجرى آخر، ولكانت الكلمة الأخيرة للدول الظافرة.
إن الصهيونيين أدركوا ما سها عن بال العالم العربي؛ أن التاريخ تقرره الأعمال الحاسمة لا الحجج القانونية، وأن قيام دولتهم أو تلاشيها يتوقف على قوتهم لإنجاز الأمر المفعول، لا على قدرتهم على المماحكات الكلاميّة، وأن الوسائل الإذاعية والمفاوضات السياسية كلها لا قيمة لها على الإطلاق في تقرير شكل التاريخ إلا إذا استندت إلى قوة حاسمة تنفذ إرادتها، وأن التوازن السياسي والصراع الدولي هما في النهاية توازن قوى واقعية لا صراع حجج.
في كل تعارض جوهري بين المصلحة الإسرائيلية والمصلحة العربية، ستؤيد أميركا المصلحة الإسرائيلية. احذروا كل الحذر من الارتماء الأعمى في فخ إغراءات المظاهر الإنسانية الأميركية دون تمحيص تام لها ولعلاقة اليهود بها.
مصير لبنان ليس مستقلاً عن مصير العالم العربي. فإن بسط اليهود سلطانهم على البلاد العربية وأسسوا العصر اليهودي في الشرق الأدنى، فمن الوهم أن يظن اللبنانيون أن هذا السلطان لن يشملهم. ولذلك كل ما قيل عن العالم العربي عامة أقصد أن أقوله كذلك عن لبنان.
لبنان الحر المستقل، المتفاعل في جميع حقول الحياة مع العالم العربي، الرابط مصيره بمصيره، المتضامن معه في كل شيء، هذا كيان يمكن الإيمان به.
سيتزايد الضغط، السياسي والاقتصادي، لإذابة لبنان في سوريا. لكني أرجح أن لبنان، مدعوماً بالقوى الإيجابية التي تسنده، سيقف وسينتصر في وجه هذا الضغط. إذا أدمج لبنان بسوريا وزالت معالم استقلاله، فلا أظن الدافع الحقيقي لهذا العمل حكمة عليا أو محبة صادقة لخير العالم العربي وصالحه. فما هو الخير الإضافي الذي تجنيه سوريا أو يجنيه العالم العربي من ضم لبنان ومحو استقلاله؛ لبنان، الرابط مصيره بمصيرهم، المتفاعل والمتضامن معهم في كل شيء؟
ثمة خطر؛ هو أن يحصل اتفاق خفي بين “إسرائيل” وبين بعض اللبنانيين القصيري النظر فيحدثوا انقلاباً موالياً لـ”إسرائيل”. لا يعتبر هذا الانقلاب تعدياً من “إسرائيل” بل مجرد حركة داخلية. عندئذ لا مجال لتحرك الغرب. لكن انقلاباً كهذا يجر حتماً إلى فوضى، فتدخل سوري عربي، فتدخل إسرائيلي، وبالتالي إلى حرب جديدة. ولن يكون لبنان الكاسب فيها على الإطلاق.
إذا هبت حركة عربية تنوي إلحاق لبنان بسوريا أو بتكتل عربي أوسع، فما يكون موقف الدول الغربية منها؟ رأيي أن الولايات المتحدة تبقى متفرجة. وإذا نجحت حركة كهذه فلن تحرك أميركا ساكناً. فالمسألة لدى أميركا مسألة عنف وإرغام لا مسألة مبدأ. فإذا رضي السكان بالانضمام تصبح المسألة محض طوعية ولا مجال لأي تدخل خارجي.
توجد في أميركا أوساط لا ترتاح إلى استقلال لبنان عن سوريا ولا ترى له مبرراً. فإذا نهضت محنة وظهر أن تضحية لبنان تحلها، فتلقي هذه الأوساط وزنها في اعتبار الوازنين. وإذا اشتدت الأزمة وخار عزم لبنان ولم ينصره أحد من الخارج، فقد يقرر هذا الوزن الأمر. فلا يمكن الاتكال على أميركا أو إنكلترا لإنقاذ لبنان وقت المحنة.
إن بقاء “إسرائيل” متوقف وسيظل متوقفاً على رضا العرب عن بقائها، أي على اعتراف العرب بها وتفاعلهم معها تفاعلاً تعاونياً ولو جزئياً. إن تركيب “إسرائيل” الاقتصادي محتم الانهيار ما دامت في معزل عن التعاون مع الإطار العربي المحيط بها. إن تعاون العرب غير المشروط مع “إسرائيل” بمثابة استسلام عربي سابق، دون قيد أو شرط، للسيطرة اليهودية وتعبيد لها.
أما مقاطعة “إسرائيل” مقاطعة تامة فمعناها عدم الاعتراف بها سياسياً ودولياً، وعدم التفاعل معها اجتماعياً، وعدم التبادل معها، بيعاً أو شراءً، اقتصادياً، وعدم السماح بالانتقال من “إسرائيل” إلى البلدان العربية أو بالعكس. ولا أزال عند اعتقادي أن هذه المقاطعة، لا سيما الاقتصادية، إذا نظمت تنظيماً مسؤولاً، ونجحت حتى ثمانين بالمئة من النجاح فقط، تقضي على الدولة اليهودية في سنوات قلائل، فتنهار هذه من تلقاء نفسها.
إن لم يستطع العرب القضاء على “إسرائيل” إيجابياً في الجولة الأولى من الصراع، وإلى أن تتوافر لهم القوة بفضل الإجراءات الداخلية والخارجية المرجوة، فإنهم سوف يستطيعون القضاء عليها سلبياً بواسطة سياسة الحجر والمقاطعة التامة.
على الدول العربية أن تستعد ليس لرد الاتهامات الإسرائيلية فحسب، بل لعدم التأثر بالضغط الدولي. وعليها أن تعتزم بصدق أن تتعاون معاً إلى أبعد حدود التعاون، إن في تنفيذ المقاطعة أو في رد العدوان المتوقع. لكن ثمة خطراً على هذه المقاطعة أشد من خطر ردود الفعل اليهودية، هو خطر إعلان هذه المقاطعة وفشلها من الداخل، أي فشلها من الجانب العربي نفسه.
على الحكومات العربية أن تكون يقظة، وألا تحسب حساب رد الفعل اليهودي فقط، بل أن تتحفظ لإمكانيات إبطال مفعول المقاطعة من الداخل، أي من الجانب العربي نفسه.
إن مصير العالم العربي ليتوقف، في المرحلة الأخيرة، على العمل الحاسم الذي يجب أن يقوم في العالم العربي نفسه.
أرجو فخامة رئيس الجمهورية ودولة رئيس مجلس الوزراء والسادة الوزراء، أن يعيروا هذا التقرير بعض العناية. وأكون شاكراً جداً إذا تلقيت منكم رأيكم في الأمور التي يبحثها التقرير. كما أرجوكم أن تتفضلوا عليّ بالاستفسار عن أية مسألة قد تظهر غامضة، أو قد تبدو مستلزمة شرحاً، أو قد تكون غير مشروحة شرحاً كافياً، أو بالاستفهام عن أية قضية مهمة لم يتناولها التقرير بالبحث الوافي. وآمل أن تتفضلوا وتجمعوا إليّ ملاحظاتكم على هذا التقرير.

الوزير المفوض في نيويورك شارل مالك
5 آب 1949

رسالة متخيلة موجهة افتراضياً من الوزير المفوض شارل مالك الى رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، مقتبسة من فقرات منتقاة من رسالة الوزير المفوض شارل مالك عام 1949 إلى رئيس الجمهورية بشارة الخوري ورئيس الحكومة رياض الصلح.