Beirut weather 31 ° C
تاريخ النشر July 14, 2026
A A A
مفاوضات روما.. لبنان يواجه “صندوق الفرجة” الإسرائيلي

كتب غسان ريفي:

تدخل المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، التي تنطلق غداً في روما، جولتها السادسة وسط حالة غير مسبوقة من الغموض، بعدما بقي جدول أعمالها حتى اللحظة موضع اجتهاد وتساؤلات، في ظل غياب أي معطيات رسمية واضحة حول الملفات التي ستُطرح، سواء ما يتعلق بما يُسمّى “المناطق التجريبية”، أو تشكيل اللجان الفنية، أو إمكان الانتقال إلى بحث تفاهمات ذات طابع اقتصادي أو أمني أو حتى سياسي.

ويخوض لبنان الرسمي هذه الجولة من موقع يبدو فيه فاقداً للمبادرة السياسية.

فمنذ اللحظة الأولى لم يكن له رأي في اختيار مكان انعقاد المفاوضات، بعدما فرضت إسرائيل نقلها من واشنطن إلى روما من دون أي اعتراض لبناني معلن، كما لا تبدو لدى الوفد اللبناني صورة واضحة عن طبيعة الطروحات الإسرائيلية أو حدودها، ولا عن ماهية “المناطق التجريبية” التي يجري الحديث عنها، في وقت يعجز فيه لبنان عن فرض أولوياته الأساسية، وفي مقدمها وقف الاعتداءات الإسرائيلية، وتثبيت وقف إطلاق النار، وإلزام إسرائيل بالانسحاب من الأراضي والبلدات التي لا تزال تحتلها.

في هذا المشهد، يبدو لبنان وكأنه يتجه إلى طاولة تفاوض مفتوحة على كل الاحتمالات، أو أمام “صندوق فرجة” إسرائيلي لا يعرف ما الذي سيخرج منه، ولا طبيعة المشاريع التي قد يحاول الاحتلال فرضها تحت عنوان التفاوض.

ويزداد هذا الاحتمال ترجيحاً إذا ما أُخذ في الاعتبار أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أمضى أكثر من أسبوعين في محاولة تكريس صورة المنتصر أمام الرأي العام الإسرائيلي، مستفيداً من المناخ السياسي الذي وفرته له مواقف الإدارة الأميركية، ولا سيما وزير الخارجية ماركو روبيو، إضافة إلى اتفاق الاطار مع لبنان بما يمنحه مادة سياسية يسعى إلى توظيفها في استحقاقاته الانتخابية المقبلة. من هنا، يصعب التكهن بما سيحمله نتنياهو إلى روما، أو بالسقف الذي سيحاول الوصول إليه، أو بالشكل الذي ستنتهي إليه هذه الجولة.

أما في ما يتعلق بملف “المناطق التجريبية”، الذي ما يزال يلفه الكثير من الغموض، فتشير المعطيات المتداولة إلى ثلاثة سيناريوهات محتملة:

السيناريو الأول، أن تعمد إسرائيل إلى الانسحاب من بلدة أو بلدتين لا تزال تحتلهما، بما يتيح للجيش اللبناني الانتشار فيهما، إلا أن هذا الاحتمال يبدو ضعيفاً في ضوء تمسك حكومة الاحتلال بمواقعها العسكرية وعدم إظهار أي استعداد لتقديم خطوة مجانية.

أما السيناريو الثاني، وهو الأكثر ترجيحاً، فيقضي باختيار بلدتين تخضعان للسيطرة النارية الإسرائيلية من دون وجود احتلال بري مباشر، والمطالبة بدخول الجيش اللبناني إليهما، بما يسمح لإسرائيل باختبار آليات الانتشار والتنسيق من دون أن تقدم أي انسحاب فعلي.

ويبقى السيناريو الثالث، وهو الأكثر حساسية، ويتمثل في أن تحدد إسرائيل بلدتين غير محتلتين أساساً، وتطالب الجيش اللبناني بالدخول إليهما ونزع سلاح المقاومة والسيطرة الأمنية الكاملة عليهما.

إلا أن هذا الخيار يصطدم بموقف واضح للجيش اللبناني، الذي أكد مراراً أنه لن ينتشر إلا في المناطق التي ينسحب منها الجيش الإسرائيلي انسحاباً كاملاً وفعلياً، بما يحفظ قواعد الانتشار والسيادة الوطنية.

وفي جميع الأحوال، تبدو فكرة “المناطق التجريبية” بالنسبة إلى إسرائيل أكثر من مجرد إجراء ميداني محدود، إذ تشكل، وفق هذا المنظور، آلية لاختبار أداء الجيش اللبناني، وقياس قدرة السلطة اللبنانية على تنفيذ الالتزامات التي تطالب بها إسرائيل، بما يفتح الباب أمام تدخلات متزايدة في الشأن اللبناني، ويثير أسئلة جدية حول انعكاسات ذلك على السيادة الوطنية.

وتتزامن هذه الجولة مع متغيرات إقليمية ودولية تجعل من مفاوضات روما محطة بالغة الحساسية، في ظل مخاوف من أن تتحول إلى منصة لفرض شروط وإملاءات إسرائيلية، ولا سيما مع تراجع مستوى التمثيل الأميركي مقارنة بالجولات السابقة.

ويضاف إلى ذلك القلق من محدودية الخبرة التفاوضية والميدانية لدى السفيرين سيمون كرم وندى معوض في مواجهة وفد إسرائيلي يمتلك خبرة طويلة في إدارة هذا النوع من المفاوضات، فضلاً عن الإصرار الإسرائيلي على استبعاد الوفد العسكري اللبناني، وهو ما يثير مخاوف من إضعاف الموقف اللبناني وإفساح المجال أمام محاولة إسرائيل استفراد الوفد المفاوض وانتزاع تنازلات إضافية، بما يخدم الحسابات السياسية والانتخابية لنتنياهو على حساب السيادة اللبنانية، وأمن اللبنانيين، وممتلكاتهم، وأرزاقهم.