Beirut weather 31 ° C
تاريخ النشر July 14, 2026
A A A
روما: إختبار جديد للمصداقية الأميركية
الكاتب: صلاح سلام

كتب صلاح سلام في “اللواء”:

تنعقد الجولة السادسة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في روما، وسط مناخ تطغى عليه أجواء من الحذر والتشاؤم، ليس بسبب غياب الرغبة اللبنانية في إنجاح المسار التفاوضي، بل نتيجة استمرار التعنّت الإسرائيلي، والتنصّل من الالتزامات التي نص عليها اتفاق الإطار. فبعد أسابيع من المماطلة، لا تزال الحكومة الإسرائيلية ترفض تنفيذ الانسحابات المتفق عليها في المرحلة التجريبية، متذرعة بعدم قدرة الجيش اللبناني على فرض سيطرته على المناطق التي ستنسحب منها قوات الاحتلال.

هذه الذريعة تفتقر إلى أي منطق سياسي أو قانوني. فالجيش اللبناني لم يُمنح أصلاً فرصة إثبات قدرته، لأن إسرائيل ترفض تنفيذ الخطوة الأولى التي تشكل أساس الاختبار الميداني. وبالتالي، فإن الحديث عن فشل الجيش قبل بدء تنفيذ الاتفاق ليس سوى محاولة مكشوفة لنسف الاتفاق من داخله، وإبقاء الاحتلال واقعاً مفروضاً، بما يخدم الحسابات السياسية والأمنية لنتنياهو وشركائه في الحكومة المتطرفة.

الأخطر من ذلك أن استمرار هذا النهج لا يهدد فقط مستقبل المفاوضات المباشرة، بل يضع الإدارة الأميركية أمام امتحان بالغ الحساسية. فالولايات المتحدة هي الراعي الأساسي لهذا المسار، وأي عجز عن إلزام إسرائيل بتنفيذ تعهداتها سيُفقد واشنطن دورها كوسيط قادر على ضمان تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، وسيعزز الانطباع بأن إسرائيل تستطيع تعطيل أي تفاهم متى شاءت، من دون أن تواجه أي ضغط أو مساءلة.

وتكتسب هذه المسألة أهمية مضاعفة مع اقتراب زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى واشنطن ولقائه المرتقب مع الرئيس دونالد ترامب. فمن غير المنطقي أن يتوجه الرئيس اللبناني إلى العاصمة الأميركية حاملاً عنوان تعزيز الشراكة السياسية والعسكرية، فيما تعجز الإدارة الأميركية عن انتزاع خطوة إسرائيلية أولى تثبت صدقية الضمانات التي قدمتها للبنان، وتؤكد أن خيار التفاوض ما زال قادراً على تحقيق نتائج ملموسة.

أما داخلياً، فإن استمرار الاحتلال وتأخير الانسحابات يعنيان إطالة معاناة عشرات آلاف اللبنانيين الذين ينتظرون العودة إلى بلداتهم، ويعنيان أيضاً استمرار تعطيل ورشة إعادة الإعمار، وتأخير وصول المساعدات والاستثمارات، وإبقاء الجنوب رهينة الدمار والقلق وعدم الاستقرار. وكل ذلك يفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، ويولد مزيداً من الاحتقان الشعبي، في وقت يحتاج فيه لبنان إلى تثبيت الأمن وإطلاق عجلة التعافي، لا إلى إنتاج أزمات جديدة.

إن جولة روما لم تعد مجرد محطة تفاوضية عادية، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لصدقية الالتزامات الدولية. فإذا استمرت إسرائيل في سياسة التعطيل، ولم تمارس واشنطن الضغط الكافي لإلزامها بتنفيذ اتفاق الإطار، فإن المفاوضات ستتحول إلى غطاء للمماطلة، لا إلى وسيلة لإنهاء الاحتلال وترسيخ الاستقرار. وعندها، لن يكون الخاسر لبنان وحده، بل ستتلقى الثقة بالدبلوماسية الأميركية، وبخيار التفاوض السلمي ضربة قاسية، قد تمتد تداعياتها إلى مجمل التوازنات في المنطقة.