Beirut weather 26 ° C
تاريخ النشر July 13, 2026
A A A
هرمز كلمة سر النظام العالمي
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في البناء 

بعد أربعين يوماً من الحرب ونحو ستين يوماً من الحصار والضغط، يصبح السؤال عن مضيق هرمز مختلفاً جذرياً عن السؤال الذي طُرح في الأيام الأولى للمواجهة. لم يعد السؤال: هل تستطيع الولايات المتحدة تدمير زوارق إيرانية أو منصات صواريخ أو فتح ممر بحري بالقوة؟ بل صار: هل تستطيع تعطيل قدرة إيران على فرض إرادتها على حركة التجارة وإقناع السوق بأن السفن التي تخرق قرار المنع لن تتعرّض للأذى؟ والفارق بين السؤالين هو الفارق بين منطق الجيوش ومنطق الأسواق. الجيوش تتحدّث عن السيطرة على البحر، وتدمير الأهداف، وتأمين الممرات، بينما شركات الشحن والتأمين والمصارف وأصحاب الناقلات يسألون سؤالاً واحداً: هل السفينة التي تعبر آمنة أماناً مطلقاً؟

 

يمكن لمدمرة أميركية أن تعبر المضيق محاطة بالطائرات والسفن الحربية، ويمكن لواشنطن أن تعلن أن هرمز مفتوح، لكن ذلك لا يعني أن مئات ناقلات النفط والغاز ستعود إلى الحركة الطبيعية. السفينة الحربية جزء من معركة وتقبل المخاطرة، أما السفينة التجارية فتخضع لحسابات التأمين والتمويل ومسؤولية الشركة عن الطاقم والشحنة. ولذلك فإن إصابة ناقلة واحدة يمكن أن تكون، في حساب السوق، أهم من عبور عشر سفن حربية بسلام.

 

هذه هي العقدة التي كشفتها المواجهة. أعلنت واشنطن أن المضيق مفتوح، وأعلنت إيران أنه مغلق، لكن حركة السفن لم تتعامل مع الإعلان الأميركي باعتباره حقيقة كافية للمخاطرة بالعبور. العبرة ليست بمن يملك القوة التي تسمح له بعبور المضيق، بل بمن يملك القدرة على معاقبة من يخالف قراره. فإذا كانت إيران تستطيع إصابة سفينة واحدة من كل عشر أو عشرين سفينة تحاول العبور من دون موافقتها، فإن السوق نفسه يتولى مهمة الإغلاق نيابة عنها.

 

لهذا لا تحتاج إيران إلى بناء جدار في البحر، ولا إلى زرع المضيق كله بالألغام، ولا إلى إغراق كل سفينة تعبر. يكفي أن يبقى احتمال الإصابة جدياً ومصدَّقاً. فشركة التأمين لا تنتظر غرق عشر ناقلات كي ترفع أقساطها أو توقف التغطية، ومالك السفينة لا يحتاج إلى يقين بنسبة مئة في المئة بأنه سيُصاب كي يرفض المخاطرة. بل يحتاج إلى يقين مئة في المئة بأنه لن يُصاب كي يقرّر المخاطرة؛ في الاقتصاد البحري، الاحتمال نفسه يتحول إلى قوة مادية.

 

هنا يصبح الحديث عن تعطيل القدرة الإيرانية أكثر تعقيداً. إيران لا تعتمد على سلاح واحد يمكن تدميره بضربة حاسمة، بل على منظومة موزعة تشمل الصواريخ الساحلية، والمسيّرات، والزوارق السريعة، والغواصات الصغيرة، والألغام البحرية، وقدرات الرصد والقيادة المنتشرة على الساحل والجزر. تستطيع الولايات المتحدة تدمير نسبة كبيرة من هذه القدرات، لكنها تحتاج إلى ضمان أن ما تبقى منها عاجز عن إصابة السفن التجارية. وهذا ضمان أصعب كثيراً من تحقيق التفوق العسكري.

لقد مرَّ أربعون يوماً من الحرب، ثم نحو ستين يوماً من الحصار والضغط، ولم يتغير جوهر المعادلة. وهذا يعني أن التقديرات النظرية التي كانت تتحدث عن أسابيع لفتح المضيق تحتاج إلى إعادة نظر. فإذا لم تنجح كل هذه المدة في إسقاط القدرة الإيرانية على التهديد، فهل نتحدث عن ثلاثة أشهر إضافية؟ ستة أشهر؟ سنة؟ وحتى لو امتلكت الولايات المتحدة القدرة العسكرية على مواصلة الحرب ستة أشهر، يبقى السؤال: هل يملك الاقتصاد العالمي ستة أشهر؟

 

يمر عبر هرمز جزء حاسم من تجارة النفط والغاز العالمية. ويمكن للمخزونات الاستراتيجية والأنابيب البديلة وخفض الاستهلاك أن تشتري الوقت، لكنها لا تستطيع أن تصنع هرمز بديلاً. وكلما طال الإغلاق أو التعطيل، لا تنخفض الصادرات فقط، بل تبدأ خزانات المنتجين بالامتلاء ويصبحون مضطرين إلى خفض الإنتاج. وهكذا تنتقل الأزمة من مشكلة نقل إلى مشكلة إنتاج، ومن ارتفاع في الأسعار إلى تهديد فعلي للاقتصاد العالمي.

 

الأخطر أن فتح هرمز عسكرياً ليس هو نفسه فتحه تجارياً. قد تستطيع الولايات المتحدة فتح ممر خلال أيام، لكنها تحتاج إلى أسابيع أو أشهر من العبور الآمن كي تعيد بناء ثقة السوق. ويكفي أن تنجح إيران في إصابة سفينة واحدة بعد عشرات عمليات العبور لكي تعيد ساعة الثقة إلى الصفر. ولذلك قد لا يكون المطلوب من إيران أن تمنع كل السفن، بل أن تثبت دورياً أنها لا تزال قادرة على الوصول إلى بعضها.

 

هنا تنقلب معادلة الزمن. واشنطن تحتاج إلى زمن طويل لتدمير القدرات الإيرانية، ثم إلى زمن إضافي لإقناع السوق بأن التهديد انتهى. أما إيران فتحتاج إلى عملية ناجحة واحدة بين حين وآخر كي تعيد إنتاج الخوف. وبذلك يصبح الزمن الاقتصادي أقصر من الزمن العسكري المطلوب لحسم المعركة.

 

لهذا يبدو أن الحل الواقعي لمعضلة هرمز لا يمر في النهاية عبر إعلان أميركي بأن المضيق مفتوح، ولا عبر مرافقة عدد محدود من السفن، بل عبر التوصل إلى صيغة تجعل إيران نفسها تعلن انتهاء قرار الإغلاق أو توافق على تنظيم العبور. وعند هذه النقطة تصبح الخلاصة السياسية أكبر من المضيق نفسه.

 

إذا كانت الحرب قد بدأت بهدف إخضاع إيران، وانتهت إلى أن العالم ينتظر موافقتها كي يعود النفط إلى العبور الطبيعي، وإذا كان فتح هرمز فعلياً يحتاج إلى إعلان إيراني يقول إن السفن باتت آمنة، فإن ميزان الحرب يكون قد حُسم في جوهره؛ لأن الطرف الذي يملك كلمة إعادة الحياة إلى شريان الطاقة العالمي هو الطرف الذي يملك ورقة النهاية.

 

وما دام حل أزمة هرمز يتقرر بإعلان من إيران يعلن السماح بالعبور، لا ببيان أميركي يعلن أن البحر مفتوح، فإن إيران تكون قد ربحت الحرب.