Beirut weather 24 ° C
تاريخ النشر July 8, 2026
A A A
هل يحق للرئيس الغضب من عدم قبول توضيحاته؟
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”:

لم يُخفِ رئيس الجمهورية العماد جوزف عون انزعاجه من استمرار الاعتراض على اتفاق 26 حزيران، رغم سيل التوضيحات التي قدمها. قال إن هناك من قرر رفض الاتفاق “مهما قدمنا من تفسيرات وتوضيحات”. ولحق به رئيس الحكومة نواف سلام، مضيفاً سلسلة أخرى من التوضيحات: الوثيقة ليست اتفاق سلام بل مجرد إطار أو جدول أعمال، لا تربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع السلاح، لا توقف الملاحقات القضائية، لا تشرعن الاحتلال، ولا تنتقص من السيادة اللبنانية. لكن، قبل أن نسأل: هل أقنعت هذه التوضيحات اللبنانيين؟ ينبغي أن نسأل سؤالاً أكثر أهمية: هل يجيز القانون أصلاً حل الخلاف حول معنى اتفاق دولي عبر التوضيحات التي يقدمها أحد طرفيه؟
إذا كان الجواب نعم، انتهى النقاش. أما إذا كان الجواب لا، فنحن أمام قضية مختلفة تماماً. ولنبدأ من السؤال الأول: هل الوثيقة المسماة اتفاقاً إطارياً هي ليست اتفاقاً كما قال رئيس الحكومة ومجرد جدول أعمال؟

يكفي أن نقرأ المادة الأولى حتى يسقط هذا الوصف؛ فالنص لا يحدد جدولاً لجلسات تفاوض، ولا يعدد ملفات ستناقش لاحقاً، بل يعلن أن لبنان و”إسرائيل” “يعزمان على إنهاء النزاع بصورة نهائية، وإنهاء أي حالة حرب قائمة بينهما رسمياً”، ويحدّدان أن هذا الإطار جاء نتيجة مفاوضات مباشرة، وأنه يؤسس لمسار لا رجعة فيه نحو تسوية شاملة.

إذن هو ليس جدول أعمال. لكن، في المقابل، هل هو اتفاق سلام؟ أيضاً لا؛ فالمادة الثانية عشرة تقول بوضوح إن الطرفين سيشكلان مجموعات عمل “لصياغة اتفاق سلام وأمن شامل وكامل”. إذن، عن أي اتفاق نتحدث؟

النص نفسه يجيب: إنه اتفاق موضوعه إنهاء حالة العداء، ووضع الشروط التي تسمح بالانتقال لاحقاً إلى اتفاق السلام الشامل. وهنا يبدأ السؤال الثاني: إذا كان هذا هو موضوع الاتفاق، فما هي شروط إنهاء حالة العداء؟ هل تركها النص للمستقبل؟ الجواب كلا، بل نص عليها واحدة تلو الأخرى: استعادة الدولة اللبنانية احتكار السلاح، نزع سلاح الجماعات المسلحة والتحقق من ذلك، انتشار الجيش اللبناني ضمن مناطق تجريبية يجري التحقق من نتائجها إسرائيلياً، إعادة الانتشار الإسرائيلي تدريجياً، ترتيبات أمنية، مجموعات عمل، ثم اتفاق سلام لاحق. أي أن الوثيقة ليست وعداً بإنهاء العداء، بل اتفاقاً على شروط إنهائه.

وهنا تظهر أول مفارقة: إذا كانت هذه هي البنية الكاملة للنص، فكيف يصبح الاتفاق مجرد جدول أعمال؟ ثم نصل إلى السؤال الثالث: لنفترض أن النص احتمل أكثر من معنى، من يملك حق تفسيره؟ هل رئيس الجمهورية؟ هل رئيس الحكومة؟ قد يبدو الجواب بديهياً، لكنه ليس جواب القانون.

القانون الدولي لا يمنح هذا الحق لأي طرف منفرد، مهما كانت مكانته الدستورية، بل يقول: إذا كان النص واضحاً فلا تفسير، وإذا احتاج إلى تفسير فليس هناك تفسير لبناني وتفسير إسرائيلي، بل تفسير مشترك يصدر عن الطرفين، في ملحق، أو مذكرة تفسيرية، أو اتفاق لاحق، أو في ممارسة مشتركة تثبت أنهما أصبحا يفهمان النص بالطريقة نفسها. هنا فقط يصبح التفسير جزءاً من الاتفاق.

أما إذا بقي كل طرف يشرح الاتفاق لشعبه بما يراه مناسباً، فإن هذه الشروح تبقى مواقف سياسية أو قانونية أحادية، لكنها لا تغير معنى النص. وهنا يبرز السؤال الذي غاب عن كل السجال اللبناني: إذا كانت المادة الثالثة عشرة لا تعني وقف الأعمال في المحافل القانونية الدولية كما فهمها المعترضون، فأين هو التفسير المشترك الذي يقول ذلك؟ إذا كان الانسحاب الإسرائيلي غير مرتبط بنزع السلاح، فأين هو البيان اللبناني ـ الإسرائيلي المشترك الذي يثبت هذا الفهم؟ إذا كان الاتفاق لا يمنح “إسرائيل” ما تسميه حرية العمل العسكري، فأين هو الملحق الذي يقرر ذلك؟ ولماذا لم تطلب الدولة اللبنانية، وهي ترى أن النص أسيء فهمه، إصدار تفسير مشترك مع الطرف الآخر، وهو الوسيلة التي يعترف بها القانون الدولي عندما يثور خلاف حول معنى الاتفاق؟

هنا تصبح الصورة أكثر وضوحاً؛ فالطرف الإسرائيلي قدّم هو أيضاً تفسيراته، قال إن إعادة الانتشار ترتبط بالترتيبات الأمنية، وتحدث عن مناطق تجريبية، وأكد احتفاظه بحق الدفاع عن النفس وضمنها حرية العمل، وربط إنهاء وجوده العسكري بزوال ما يعتبره التهديد. فهل تصبح هذه التفسيرات جزءاً من الاتفاق أيضاً؟

إذا قلنا نعم، صار للاتفاق معنيان متناقضان في الوقت نفسه. وإذا قلنا لا، فلا يمكن أن نقبل التفسير اللبناني وحده ونرفض التفسير الإسرائيلي. ولهذا وضع القانون الدولي قاعدة بسيطة وعادلة: عندما يتعارض تفسيران أحاديان، يسقطان معاً بوصفهما تفسيراً ملزماً، ويعود القاضي إلى النص، وإلى سياقه، وإلى بنيته الداخلية، وإلى أي تفسير مشترك إذا وُجد. وهنا نعود إلى الاتفاق نفسه.

المواد الأولى والثانية والثالثة والرابعة والخامسة والثانية عشرة والثالثة عشرة لا تتحرك في اتجاهات متعارضة، بل تشكل بناءً واحداً يبدأ بإنهاء حالة العداء، ويرسم شروطها، وينتهي بفتح الطريق إلى اتفاق السلام الشامل. ولهذا لا يجوز تفسير مادة واحدة بمعزل عن بقية المواد، وكلها أقرب لما فهمه الناس وربما لما قاله الإسرائيلي في تفسيره للاتفاق مما قاله المسؤولون اللبنانيون الذين يعرفون أنه لا يجوز أن يحل تصريح سياسي محل صياغة قانونية.

ولعل السؤال الأخير هو الأهم: إذا كان الاتفاق يعني فعلاً كل ما قيل في التوضيحات الرسمية… فلماذا لم يُكتب بهذه اللغة منذ البداية؟ ولماذا احتاج، بعد ساعات من إعلانه، إلى هذا العدد من الشروح؟ في القانون، الاتفاق الجيد هو الذي يشرح نفسه، أما الاتفاق الذي يحتاج إلى مفسرين، فلا تحسم معناه كثرة التوضيحات، بل يحسمه النص، أو تفسير مشترك يصبح جزءاً منه. وهذا، في النهاية، هو السؤال الذي سيبقى قائماً، مهما تعدّدت التفسيرات: هل نحن أمام نص يقول ما يقصده، أم أمام نص يحاول أصحابه أن يقصدوا بعد توقيعه ما لم يقله عند كتابته؟